" حتى لا تموت الروح "
الحلقة الثامنة
8- لوعة الحب والانتظار
منذ الوهلة الأولى لخطبتي لمنال، أدركت أنها من النوع الكتوم الذي لا يفصح عن مشاعره بسهولة، وأدركت أنني مقبل على مرحلة من العذاب والضنا.. فأنا أحبها ، ولا أملك من الوسائل ما أستطيع أن أعبر به عن هذا الحب، أما هي فمتحفظة ، حريصة كل الحرص في كلماتها وتعبيراتها ..
والرقيب، وما أدراك ما الرقيب؟ يعد علينا أنفاسنا.. وعندنا فوق ذلك وقبله رقابة ذاتية، ربما حدثتك عن أمثلة لها يوما ..
المهم أنني أحب وممنوع من التعبير، ولا شك يا صاحبي أن أشق أنواع العواطف على القلب هي العواطف المكبوتة التي لا يملك الإنسان التعبير عنها وإبرازها، ولقد استسلمت لهذا الحب الصامت، الذي كان يشقيني فعلا أكثر مما يسعدني ..
حتى أنني كثيرا ما عدت من زيارة منال، وقد كنت أثناء الزيارة على أحسن حال من الانطلاق والسعادة، كنت أحدثها عن نفسي، عن آمالي وطموحاتي، عن أعمالي ، عن بعض ذكرياتي المختلفة.. عن بعض قضايا الساعة، وتحدثني أحاديث مقتضبة ، لكنها كافية للتعرف عليها وعلى أفكارها واهتماماتها، وأعمالها ..
أكون في حضرتها سعيدا، رغم الرقابة، ورغم الحرمان.. لكنني أكون سعيدا بمجرد القرب منها والحديث إليها، وتصل سعادتي ذروتها حين أستمع إلى النغم الذي يصدر من فمها على هيئة كلمات يجملها صوتها الرخيم الفخم ..
فإذا عدت من زيارتها إلى بيتنا، شعرت بكآبة شديدة وأصبت باكتئاب حاد .. وأشعر وكأنني فقدتها ، فقدت منال، وفقدت السعادة ولو إلى حين !!
لم أعد أطيق صبرا على فراقها هذا الأسبوع الطويل الممل، حتى يحين موعد زيارتي المقبلة ..
أما منال فكانت تتفنن في تعذيبي، وازدياد لوعتي وأشواقي ..
كان والدها مريضا بالكلى، ورأيت أن ذلك فرصة سانحة، لأتصل هاتفيا ببيتهم كثيرا للاطمئنان على صحة الوالد العزيز، ولم أكن أرجو إلا أن أسمع صوتها ، أن أسمعه فقط ! وكنت مستعدا أن أقسم بأغلظ الأيمان أنني لن أكلمها كلمة رقيقة واحدة ..
ومع ذلك ماذا تظن أنها كانت تفعل معي؟
لم تكن ترد ابتداء على الهاتف، فكان الذي يكلمني في كل مرة شخص مختلف .. فأتعمد أن أتحدث في البيت في أوقات لا يتواجد فيها أخواها ، وعندما كانت ترد على الهاتف وتعرف أنني المتصل ، كانت تجيبني :
- لحظة واحدة.. ثم تعطي سماعة الهاتف إلى أمها، أو تذهب بها إلى أبيها المريض على فراشه ليرد علي بنفسه !!
كنت أشعر وأنا على الطرف الآخر أنها تفعل ذلك بارتباك ظاهر وحذر شديد وكأنني سأخطفها عبر أسلاك الهاتف !!!
و كان أشد ما يؤلمني طيلة شهور من خطبتنا أنها لم تكن تنطق اسمي، لم أسمع اسمي من فمها ولو لمرة واحدة ..
كان بعض أصدقائي المقربين ممن يعرفون ما اشتهرت به بينهم من حياء وتحفظ ، ويسمعون عن التزام شقيقة عصام يتندرون علينا في مجالسنا قائلين :
- إن عماد وخطيبته من النوع الذي يقول حضرِتك، وسعادتك.. ويا أفندم.. إنها خِطبة في ثكنة عسكرية ..
كانوا يضحكون، وكنت أحترق، ولم يكن شيء مما يحدث في لقاءاتي بمنال يمكن أن يتسرب إلى لساني، لقد كان كل ما بينا من الأسرار المقدسة ..
كانوا يتندرون عليَ، وكنت أحترق ، لأن هذا ما كان يحدث فعلا ..
كانت تخاطبني بحضرتك، وأفندم.. وكأنني ضابط المباحث المكلف بالتحقيق معها !!
كنت قد اتفقت مع عصام ، حيث إنه كان المسؤول المكلف من قبل الأسرة على وضع بروتوكولات العلاقة بيني وبين منال .. مواعيد الزيارة ، عددها في الأسبوع ، وكانت بالطبع زيارة واحدة أسبوعيا ، حتى استطعت بعد شهور انتزاع موعد لزيارة ثانية ، ومكان الزيارة ، وغير ذلك من بروتوكولات ..
والحقيقة أن عصام خيرني بين عدة أمور بشأن ترتيب جلستي مع منال أثناء الخطبة ، كان من بينها أن نجلس معا في غرفة من غرف المنزل ، وأن نكون معا بمفردنا على أن يكون باب الغرفة مفتوحا على الشقة ، وبذلك يمكننا أنا ومنال الحديث البريء في شتى الموضوعات بحرية تامة ، مع عدم حدوث خلوة ..
لكنني فضلت أن نجلس في غرفة الصالون مع وجود محرم (رقيب) بحيث نكسر فكرة الخلوة بشكل لم يخلو من مبالغة !!
وكانت غرفة الصالون التي اخترتها لجلساتنا معا، والتي طالما شهدت لقاءاتنا التحضيرية لأنشطة طلابية كنا نقوم بها في الكلية أيام الدراسة الجامعية.. فكنا نسميها الغرفة التي على الطريق، التي تحبنا، ونحبها ..
وإذا كان هذا هو شعور مجموعة من الطلاب من أصدقائنا أنا وعصام، فإن الحب الحقيقي للغرفة التي على الطريق أصبح من نصيبي خالصا لي دون غيري من الأصدقاء والرفاق ..
وكانت الغرفة نفسها.. غرفة خارجية، منفصلة عن باقي الشقة، ولها باب أو مدخل على درج المنزل، وكان أثاثها هو الطقم العتيق لصالون الأسرة المكون من كنبة ، وأربع مقاعد وثيرة من الطراز الكبير المريح، وفي وسط الغرفة منضدة عليها قرص من الرخام الفاخر ..
كان هذا الطقم الذي يكون أثاث الغرفة يستوعب مساحة الغرفة ذات المتوسطة كلها، وكان هذا الاستيعاب، يضفي على الغرفة جوا من الدفء، ويجعل بيني وبين منال شيئاً من القرب المكاني أثناء جلساتنا.. فكنت أجلس دائما على الكنبة الموجودة على يسار باب الغرفة بينما هي تجلس على آخر مقعد جهة اليمين، من المقاعد الثلاثة المكونة للصف المقابل، لتشكل في جلستها زاوية جانبية مع جلستي ، متجنبة بذلك أن تكون في مواجهتي في خط مستقيم كأنها تتحاشى نظراتي إليها .. بينما يجلس الرقيب في المقعد الثالث على يسار الغرفة ويظل المقعد المجاور لمنال والمواجه لي تماما شاغرا طوال لقاءاتنا.. هكذا كانت جلستنا المعتادة خلال شهور ..
بعد فترة من الزمن لم أعد أطيق عدم التعبير عن مشاعري تجاه خطيبتي وحبيبتي ، وكنت قد قرأت إعلانا بأن كلية التربية تعقد دبلومة دراسية في التربية لخريجي الجامعة العاطلين من أمثالي، لإعدادهم كمدرسين في مجالات تخصصاتهم الدراسية المختلفة.. كانت مدة الدراسة في هذه الدبلومة عاماً دراسياً كاملاً، وكانت بمصروفات كبيرة إلى حد ما ..
ولم أكن يا صديقي ممن يطيقون الدراسة والبحث.. على الرغم من أنني شغوف بالبحث الأكاديمي شريطة أن يكون على طريقتي الخاصة دون التقيد بمواعيد وامتحانات، وغير ذلك من تعقيدات الدراسة الأكاديمية، لكنني وجدتها فكرة عظيمة.. وقررت أن أتقدم للالتحاق بهذه الدبلومة التربوية ..
ثم قررت إغراء خطيبتي بالتقدم إليها، وكانت هذه خطة خطرة، كانت منال في هذه الأثناء تعمل مدرسة في إحدى المدارس الخاصة، وكان عليها إذ ذاك أن تضحي بعملها، وكانت هي مضطرة لعملها للإنفاق على احتياجاتها الخاصة كفتاة.. وليس معنى ذلك أن أسرتها لم تكن تنفق عليها ، لكنها كانت لها نفقاتها وأنشطتها الخاصة وكانت لا تحب أن تطلب نفقتها الخاصة من أحد ..
ولكنها استجابت لإغرائي وتقدمت إلى الدبلومة !!
وأصارحك القول أن غرضي لم يكن شريفا بتاتا من هذه الخطة.. لقد قررت العودة للدراسة ، بشرط أن تعود منال للدراسة كذلك، لنصبح طالبين معا في الجامعة من جديد ..
لم أكن في هذه الخطة مهتما بالدبلومة ولا الدراسة ولا التربية، ولو لم تتقدم منال إلى الدراسة فيها ، فما كان أسهل علي من سحب أوراقي والاعتذار عن الاستمرار ..
كانت هذه من المرات القليلة في حياتي التي استخدمت فيها وسيلة ملتوية للوصول لهدفي ..
تصورت أنني بذلك أؤمن وسيلة لرؤيتها ولقائها كل يوم.. تخيلت أنني من الممكن أن أعيد الحب الشرعي إلى أيام الجامعة وانطلاق الشباب، ولقد كنا قريبي العهد والعمر منه !!
لكن منال قد علمتني درسا لم أنسه ..
كما أنني استفدت فعلا من دراساتي في تلك الدبلومة.. وكانت العلوم الإنسانية من هواياتي ، فإذا بي أنغمس إلى أذني في دراسة علوم النفس على مختلف أنواعها ومسمياتها من الصحة النفسية، إلى علم نفس النمو، إلى فلسفة التربية.. وغيرها من الدراسات الثرية تماما، والتي أشبعت نهمي بتلك العلوم إلى حد كبير ..
استجابت منال إلى إغرائي وتقدمت للدراسة في الدبلومة ، وتخلت عن وظيفتها لتتفرغ للدراسة ، ولأنها من الطالبات المواظبات والمجتهدات ، على عكسي تماما في هذا الجانب ، فقد كانت تأتيني بالأخبار أولا بأول، وكنت أنا لا أزال مرتبطا بعملي كبقال غارق في الجبن والزيتون بأنواعهما ..
لم أفكر مرة أن أذهب إلى الكلية لأسأل عن مصير أوراقي التي تقدمت بها.. لكنها أخبرتني أن أسماء المقبولين قد أعلنت، وأنها وجدت اسمي بين كشوف الأسماء ..
وحمدت الله بيني وبين نفسي وتنفست الصعداء، أنها تتذكر اسمي هذا الذي لم تذكره أمامي مرة واحدة منذ خطبتنا ! كأنه في ذاته كلمة خارجة عن حدود الأدب واللياقة !!
وأخبرتني أن علي أن أذهب إلى مستشفى الجامعة بالإسكندرية لإجراء الكشف الطبي المطلوب، وكان يوما واحدا محددا لجميع طلاب الدبلومة، وسعدت كثيرا بهذا الخبر ..
ربما استطعت أن أقابلها في رحاب جامعة الإسكندرية، وأن أتحدث معها ، ولو قليلا فقط بعيدا عن الرقابة المشددة ..
لكنني تلقنت الدرس الأول يا صديقي.. لم يكن متاحا لي أن أحادث خطيبتي خارج جدران غرفة الصالون.. تلك الغرفة التي تحبنا ونحبها.. وفي وجود مقص الرقيب الذي نجح حتى الآن في حذف اسمي باعتباره لفظا خارجا على الآداب العامة !!
فهمت من خلال هذه الرحلة إلى جامعة الإسكندرية أنه ممنوع الاقتراب أو حتى محاولة الاقتراب ..
أسقطت الدبلومة من حساباتي.. طالما الأمر لن يعدو رؤيتها من بعيد لبعيد .. واستمريت في عملي ..
لكن الدراسة كانت قد بدأت، وخلال أسبوعين كاملين لم أذهب خلالهما إلى كلية التربية مرة واحدة.. وعرفت منها في زياراتي لها أن الحضور مهم ، وأن الدراسة شيقة ممتعة ، وأنها تحضر جميع المحاضرات ..
وهي تدعوني بوضوح وحسم أن أحضر جميع المحاضرات ..
ولك أن تتخيل يا صديقي وقع هذا الطلب على نفسي.. أنا الذي طيلة دراستي الجامعية الطويلة لم أحضر عدد من المحاضرات تتجاوز عدد أصابع اليدين !!
خلال كم سنة ؟
لا لن أشبع فضولك في هذا الجانب.. يكفيك أن تعلم أن سنوات دراستي في كليتي العملية كانت أكثر من أربع سنوات بكل تأكيد !!
تفكرت طويلا في هذا الأمر.. هل أستطيع فعلا أن أحضر المحاضرات في تلك الدراسة الاختيارية غير الإجبارية؟
ولم لا ؟
راقت الفكرة لي.. مازالت الفرصة سانحة أمامي لأن أراها كل يوم، وأن أتفوق في دراستي أمامها، فمازال الرجل يبحث في عصرنا عن مظاهر التفوق ليثبت لامرأته جدارته بها، وأن أعطيها فرصة لتعرف عن شخصيتي شيئا خارج حدود جدران صالون بيتهم.. تعرفني بين أصدقائي وزملائي.. وليكن ..
بدأت فكرة الدبلومة فكرة خبيثة.. لعبة.. وانقلبت اللعبة، وضحيت بعملي كبقال محترم ، من أجل الدراسة ..
وانتظمت فيها، ودرست في شهور قليلة ما مجموعه أكثر بكثير من كل دراساتي الجامعية السابقة.. وأحببت المواد الدراسية، وكنت أراها كل يوم.. ربما في البداية كانت تتجاهل نظراتي.. لكن مع الوقت أصبحنا سويا نحضر المحاضرات من أجل أن تلتقي عيوننا عدة مرات أثناء المحاضرة ..
كنت قد ذكرت لك الضوابط التي أفهمتني منال إياها دون أن تنطق بكلمة
وكانت تلك الضوابط أو الفرمانات تنص على أنه :
- الكلام خارج البيت ممنوع منعا باتا
- ممنوع أي محاولة للقاء أو الاحتكاك.. أثناء اليوم الدراسي ..
- مسموح فقط بتبادل النظرات بين الحين والآخر
لكن أهم من كل هذا أنني أدركت بما لا يدع مجالا للشك حقيقة مشاعرها نحوي.. تجلى ذلك في نظراتها، وتجلى في شيء عجيب جدا لا يمكن تصديقه بسهولة، حتى أنني أنا نفسي، لم أستوعبه في أول الأمر ..
كنت أرى منال في الكلية وبين زميلاتها بوجه، وكنت أراها حين لقائنا الأسبوعي في صالون بيتهم بوجه آخر مغاير تماما !!..
فهي معي ، مطمئنة الوجه، هادئة البال، يسطع على جبينها نور، وأستشف الرضا من خلف معالم وجهها وشيء من السعادة.. نور روحاني هادئ لكنه فاتن ..
أما في الكلية وبين زميلاتها، فكانت معالم الجدية والحرص الذي يجعل الفتاة التي أمامي مختلفة كل الاختلاف عن خطيبتي !!
لو أردت أن تعرف مقدار الفرق بين مظهر منال خارج منزلها وبين مظهرها داخله ، فإني أصارحك – ولا تسخر مني – قد شككت أنني أقابل فتاتين مختلفتين ! وتساءلت هل التي تخرج لي في المنزل هي شقيقتها ! ولم أكن رأيت شقيقتها بعد !!
وأدركت مع نفسي وبعد طول مراقبة.. أن جمال منال من النوع الذي يشع من داخلها، ينبعث من روحها.. أشعر به حين تكون وادعة راضية مطمئنة.. فأيقنت أن منال تطمئن إلي، وتسعد لوجودي معها ..
وأهم من هذا كله فإن الدبلومة أعطتنا حياة مشتركة وموضوعات ومواقف وشخصيات مشتركة يمكن أن يتناولها حديثنا ، وبدأ تحفظ منال في حديثها معي يقل شيئا فشيئا ، دون أن يختفي تماما ، ودون أن تنطق اسمي !
وبدأت أدرك هذا التغيير في مقدار تحفظها تجاهي ، من خلال تنقلها في جلستها أمامي في لقاءاتنا الأسبوعية ، بين المقاعد الثلاث ، لقد نقلت جلستها بعد فترة إلى المقعد الشاغر المواجه لي في جلستي ، فأعفتني من لي عنقي دائما لرؤيتها في الركن الذي كانت تجلس فيه ، ربما أشفقت علي من أن يصيب نظري (حول) بالإضافة إلى قصره ..
طلبت منها ذات مرة أن نراجع بعض ما نحفظ من القرآن معا في لقاءاتنا، كانت هذه فكرة جديرة بالموافقة والتشجيع، وكان غرضي فيها شريفا تماما، كان من أجل الاجتماع على القرآن، وليس حول القرآن أي غرض خبيث.. لكنها اعتذرت.. اعتبرت أن ترتيلها للقرآن أمامي فيه نوع من الفتنة لحلاوة صوتها، وقبلت اعتذارها، أو لم يكن مناص من قبوله، وإن لم أرضَ ..
كتبها §©¤][محمد][¤©§ في 11:57 صباحاً ::
في انتظار الحلقات القادمة................
الله المستعان وعليه التكلان.. ولا حول ولا قوة لنا إلا به
لحد الآن عالقة في ذاكرتي القصة...وكل مااجي احط راسي ع المخدة بسترجع أحداث القصة...ومرات تخوني دموعي...وأقول في نفسي معقولة كانو كذا!!!...معقولة كانو عايشين الحب الحقيقي وكأنها قصة مؤلفة وليس واقعية...
حتى لاتموت الروح...أنقى من الورد



الاسم: §©¤][محمد][¤©§

