الرواية الواقعية "حتى لا تموت الروح"
الحلقة الرابعة
4- شهادتي عن اللقاء
وإذا كان ما مضي هي رواية منال التي روتها لي عن لقائنا الأول، فإنه لي أيضا ما أرويه لها عن هذا اللقاء الذي غير مسار حياتي تغييرا جذريا، صحيح أن بوادر هذا التغيير الجذري كانت تلح علي منذ زمن، لكن كان هذا هو اللقاء الحاسم في مجرى الحياة ..
كنت أستعد لهذا اللقاء منذ فترة، وبالتحديد منذ قابلت والدها قبل حوالي أسبوع ، وكنت لا أزال أعمل في محل (البقالة) أتمرن على مهنة اعتقدت يوما أنها ربما أصبحت مهنتي ، وكنت أمضي في العمل نحو ثماني ساعات كانت كفيلة في الحقيقة إلى التهام جزء مؤثر من الوقت.. لكن ساعات العمل كانت عاجزة تماما بالطبع عن التهام تفكيري في هذا الموعد الذي ينبني عليه الكثير ..
في هذه الفترة وربما قبلها بقليل، كان عصام قد استوثق مني أنني لم أرَ شقيقته ، وأنني تقدمت لخطبتها (عمياني) على حد تعبيره عن ذلك ..
فأخذ يلح علي مشددا أن أراها قبل أن نقدم على أية خطوة أخرى، وأخذ يحدد لي المواعيد التي تذهب فيها إلى دروس المسجد، وواعدني أن ألتقيه قبل هذه المواعيد بقليل حتى أتمكن من رؤيتها ..
لكن ظروفا ألمت بالمساجد وحالت دون انعقاد تلك الدروس، ولم يتيسر لي رؤيتها ، وكان عصام مصرا على هذا الطلب ، وكنت أنا غير حريص عليه ، ولكني وللخروج من هذا المأزق ، ومرور الزمن دون اتخاذ خطوة عملية ، ألححت على عصام أن يأتيني بصورة فوتوغرافية لها ، تردد عصام ، وهو يقول :
من الصعب الحصول على صورة حديثة لها ..
وأكدت له أن الصورة تكفي.. وكنت في قرارة نفسي أعلم أن الصورة لن تكفي ، غير أنني كنت واثقا أن الشكل الخارجي لن يغير من رأيي ولا موقفي قيد شعرة.. ولذا ألححت عليه في هذا الطلب، قطعا للوقت، ومنعا للاختلاف بيني وبينه حول هذه النقطة ..
وعاد عصام بعد يومين فأحضر لي شهادتها الجامعية معتذرا عن عدم حصوله على صورة مفردة حديثة لها.. فشكرته، ورجوته أن يترك هذه الشهادة عندي لصباح اليوم التالي، ولعل عصام، رغم حرصه الشديد لم يتوقع غرضي من هذا الطلب ، فوافق عليه بلا مناقشة .. أما أنا فأخذت الشهادة الجامعية ونسخت منها صورة، ثم قصصت منها صورة منال ، وأصبحت أحتفظ بها تحت وسادتي، ولا أخفي عليك أنني في بعض الليالي التي تلت ذلك ، كنت أتحدث إليها.. إلى الصورة.. كنت أحاول أن أأتلف معها.. وأحيانا كنت أطبع على هذه الصورة .....
وكنت اعلم أن أمي الحبيبة من النوع الذي لا يهدأ، فهي لا تدخر وسعا في قلب سريري ، بل غرفتي كلها رأسا على عقب للتنظيف والتنظيم وخلافه ، فكنت أضع الصورة الحبيبة أسفل وسادتي وقت النوم ، فإذا استيقظت صباحا ، أخفيتها خلف مرآة خزانة ملابسي ، فما كانت أمي لتنظف خلف المرآة !
وأذكر أنني كنت ذات مرة في رحلة عمل خاطفة مع صديق لنا ، وكانت بعض أنباء عن تقدمي لخطبة شقيقة عصام قد بدأت تتسرب ، سألني رفيق الرحلة هل رأيتها ؟
فأجبته : رأيت صورتها ..
عاد رفيقي يسألني دون مواربة سؤالا ربما حاك في صدره :
هل هي جميلة؟
وأجبته إجابة أحببت أن تكون قاطعة ، ورجوت أن يبلغها لكل من يحاول أن يتطفل على هذه الجزئية تحديدا، قلت له :
من خلال الصورة، وبالطبع هي غير واضحة تماما ، لكن أستطيع أن أقول مقبولة .. ولو أني أردت الزواج حسب مواصفات الجمال المتعارف عليها ، لم أكن لأختار صاحبة هذه الصورة .. غير أن الجمال الذي سيطر علي هو جمال روحها ، وهذا ما أنا في حاجة ماسة إليه ، وهذا يكفيني ويسعدني ..
مرت الأيام إذن ، وتجهزت للقاء المرتقب.. أتذكر أنني صليت صلاة .. لم تكن صلاة استخارة ، وإنما صلاة دعوت الله تعالى فيها بالتوفيق والنجاح ..
كنت أعرف أنني مقبل على اختبار جدي.. كنت أشبهه باختبارات كشف الهيئة في الكليات العسكرية ..
وكنت أدرك أن للفتيات عيونا فاحصة ومدققة أكثر بكثير مما يملكه الشباب في هذا الجانب ، وأن فتاة تستطيع من خلال نظرة سريعة خاطفة أن تقوّم الشخص الذي أمامها تقويما دقيقا ظاهريا وداخليا ..
وكنت بيني وبين نفسي عازما على أمر، هو في حد ذاته خطر في مثل هذه المواقف الاجتماعية الحساسة ..
عزمت على تقديم نفسي كما أنا ، وقررت بيني وبين نفسي ألا أكذب ولا أتجمل .. ولا حتى أقدم أحسن ما عندي لأخدع فتاة بريئة مسكينة ، قد تسلمني قلبها وروحها لأكون كل شيء في حياتها ، ثم يكون هذا التسليم على أساس خادع ..
قررت أن أكون أنا نفسي بمظهري العادي دون تكلف أو تأنق مبالغ فيه ، وأن أظهر حدة آرائي ، وربما غرابتها ، على حقيقتها تماما ، وأن أعرض عليها فكرتي عن الحياة وعن المستقبل بشيء من الوضوح ..
بالجملة قررت أن أكون خلال لقائي بها .. (أنا) على حقيقتي على طريقة الكتاب المفتوح ..
ولا أعرف إلى أي مدى نجحت في تقديم نفسي لها بهذا الشكل ، ولكن حسبي نيتي الخالصة في ذلك ..
توكلت على الله ونزلت من بيتي ، فشعرت أن دقات قلبي تتسارع بشكل غير مسبوق ، وأنني لا أستطيع أن أتمالك نفسي ، فقد كنت أرتجف .. إنها ساعة الحقيقة .. إن كنت تفهم تماما ما أعنيه بهذه العبارة ..
وتقدمت أخيرا إلى بيت عصام .. وانتظرت في غرفة الصالون التي جلست فيها مرارا من قبل .. لكنني كنت أجلس على جمر مشتعل ..
وأخيرا فتح الباب ، وجاءت أميرتي ومليكة قلبي .. جاءت يعانق كفها كف شقيقها عصام ، ولا أكذبك إن ذكرت لك أنها كانت اللحظة الأولى التي أشعر فيها بالغيرة من عصام ، بت أشعر منذ هذه اللحظة بأنني الأولى بأن أكون بجوارها تعانق كفي كفها على هذا النحو ..
جلست هي قبالتي بزاوية منحرفة بحيث لا تكون في اتجاه نظري مباشرة ، وأطرقت إلى الأرض ، ولم يكن صعب علي أن أتبين حرج الموقف لثلاثتنا .. لكن أول معلم تبينته بعد دخولها الغرفة مباشرة ، هو هذا النور الذي يسطع من جبينها أسفل خمارها السكري ، كانت كأن الشمس تشرق من جبهتها .. وبهرني النور ..
وحتى يومنا هذا أؤمن أن أكثر ما يميزها هو هذا النور الذي يسطع من جبينها .. لقد أدركت على الفور أن هذه الفتاة روحانية ، وأن روحها نورانية شفافة ..
هناك أشخاص عندما تقابلهم لأول مرة تشعر بأنهم كتلة من الأعصاب ، أي شديدي التوتر العصبي والتقلب المزاجي ، وقليل جدا من الأشخاص الذين يمكن أن تعتبرهم أرواح .. لكنني أمسيت أوقن منذ هذه اللحظة الأولى للقائنا أن منال هي روح .. روح نورانية شفافة .. كطبيعة فراشات الربيع ..
مرت فترة صمت عصيبة .. حاولت أن أقطعها بأي حديث .. كان الأهم عندي في هذه اللحظة أن أجد صوتي ، ووجدته أخيرا يخرج مضطربا مخنوقا ، فأحييها به ..
ولم يمض وقت طويل حتى كان كل توتري قد ذهب عني .. شعرت أنني أجلس أمام فتاة أعرفها من قبل ، وأنها قريبة مني ، ولم أعد مضطربا ، وبدأت أوجه لها بعض الأسئلة .. حتى أخرجها من أي جو للاضطراب ، ولأسمع صوتها ..
وصوتها كان المعلم المبهر الثاني .. كان صوتها ساحرا فاتنا .. كانت تنطق الحروف بطريقة غريبة .. طريقة فيها شموخ ورنين معين يشنف الأذن .. كان صوتها رخيما من تلك الأصوات الفخمة التي تشعرك بالعظمة والإباء والشمم ، وآه يا صديقي مما يفعله في نفسي تأثير الصوت الجميل .. أنا من الذين يحبون الصوت الجميل حبا لا حد له ..
أحب الحداء ، وأعشق الأناشيد الرقيقة والجميلة .. وأعيش معها بوجداني كله .. وشعرت أن الله تعالى يعوضني خيرا ..
وتذكرت في التو الحديث الشريف : من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه ..
وأنا لم أبحث عن الجمال عندما قررت الارتباط بفتاتي .. لم أكن أعرف أين يمكن أن أجد مواطن جمالها ، فإذا بالله تعالى يعوضني بنور يشع من وجهها ، وصوت من أحلى ما سمعت في حياتي ..
وكادت تطفر دموعي من الشكر ، لكني تحاملت وتجملت .. وبدأت أستعرض أمام فتاتي طائفة من أفكار هي في غاية الحدة والتطرف .. في الناحية الاجتماعية طبعا .. لقد ازدريت المادة حتى شئت أن أقول ربما عشت معي على التراب .. ولم تكن أي فتاة في مثل مركزها يمكن أن تجيبني بشيء سوى بالرفض القاطع ، إلا أن فتاتي التي تجلس أمامي ، لم تكن فقط توافقني على هذه الآراء ، ولكني كنت أشعر بطربها من سماع هذه الأفكار .. وكأنها كانت تنتظر أن تسمعها هي بعينها !!
طال بنا الحديث .. ربما ، وكنت خلاله حريصا كل الحرص أن أوجه جزء منه إلى شقيقها عصام ، وأن أتجه إليه بوجهي ونظري لأعطي لها فرصا كاملة لتقيسني بنظراتها .. كنت أعرف أن الحياء يمنعها من النظر إلى مباشرة ، كما لم أستطع أنا أن أحد النظر إليها ، وإنما ألممت بشكلها بوجه عام ..
وكنت أريد أن أعطيها الفرصة لترى عيوب شكلي الكثيرة .. وأن تلحظ نظارتي السميكة ، وحجم أذناي الكبيرتين .. وأشياء أخر .. حتى تبني قرارها على أسس سليمة ..
الغريب حقا أن منال كانت قد قررت نفس قراري تقريبا .. لقد كانت تجلس أمامي على طبيعتها تماما .. بخمارها السكري وعباءتها ( البيج ) الفضفاضة وجوربها الذي يستر قدميها ، حتى قفاز كفها ..
ربما هي بالغت قليلا في ستر مواطن أنوثتها ، فمن حقي كخاطب أن أرى بعض هذه المواطن .. لكن العجيب أنها لم يكن عليها أي مسحة من مسحات وسائل التجميل ، ولم تكن هذه الروح النورانية في حاجة لمثل هذه المسحات أبدا .. إن جمالها يكمن في الهيئة التي خلقها عليها بارئ الأرواح ..
ولم أرد أن أنصرف من لقائي بها دون أن أقول لها انني متيم بها وأريد أن أتمم الخطبة الآن .. لم أستطع طبعا أن أذكر حرفا واحدا من ذلك .. لكني استودعتهم ، وهممت بالانصراف ، فرافقني عصام إلى الشارع ، وأمهلني ثلاثة أيام حتى يعطيه كل طرف منا رأيه ، وقلت له أنا لا أحتاج إلى هذه المهلة .. أنا موافق وأبصم لك بأصابعي العشرة من الآن .. ابتسم عصام قائلا: فكر على مهل ولا تتعجل ..
انصرفت من لقائنا وقد أمسيت إنسانا آخر.. قبل هذا اللقاء كنت فردا.. كنت مسؤولا عن نفس واحدة، عن روحي فقط، أما الآن فأنا مسؤول عن روحين.. وعن نفسين ..
أخيرا وجدت الحب الذي عشت على أمل العثور عليه طويلا ..
منذ هذه الليلة ، لم يكن يتسنى لي أن أتذوق طعم النوم حتى ألقي نظرة طويلة حالمة على الصورة التي اقتنصتها لروح القلب، ثم أطمئن على مكانها أسفل الوسادة ، التي لن تصبح بعد هذه الليلة خالية ..
لمتابعة الحلقة الأولى
الحلقة الثانية
الحلقة الثالثة
كتبها §©¤][محمد][¤©§ في 12:37 صباحاً ::
ياااااااااااه....ماأرووع تلك الروووووح
وماأنقى ذلك الحب
وصدق من قال...الأرواح جنود مجندة ماتعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف
لا اجد تعليقا يليق بمثل هذه الارواح
احبك فى الله يا منال
واتمنى ان اكون مثلك
ياااااااااااااااااارب تعلم ما فى نفسى فاعطنى سؤالى ((احبٌك كثيييييييييييييييرا يا ربى ))
جزيت خيرا اخى ((محمد ))
** منة الرحمن **



الاسم: §©¤][محمد][¤©§

