الخوف من أسلمة السيادة في مصر!!
نظرة تحليلية
بقلم: هاني عثمان
في مصر وبعد الثورة العظيمة التي أطاحت بدولة الفساد والظلم برزت على الساحة الإعلامية صيحة مدوية، روّج لها العشرات من الإعلاميين والساسة وغيرهم، عنوانها الخوف من بروز التيار الديني الإسلامي على الساحة السياسية، مما قد يؤدي إلى أسلمة نظام الحكم وسيادة (الدولة الدينية) ـ على حد قولهم ـ .
كما أخذوا يتحدثون عن الدولة الدينية وكأنها "رجس من عمل الشيطان"، حتى كان من آخر تلك التصريحات الواضحة قول المستشار يحيى الجمل نائب رئيس الوزراء المصري (الأسبق) : (لا يوجد أسوأ من الدولة البوليسية من الدولة الدينية).
ولن أدعي أن المتكلم بمثل هذه الكلمات قالها كرها لله ورسوله وشريعة الإسلام، لكن لعلي لا أحيد عن الإنصاف حين أزعم أنهم يحملون قدرا كبيرا من الجهل بمراد الله من خلقه، وما يرضيه في أرضه، كما إنهم يجهلون ما يحبه الله أو ما يبغضه، وليس عندهم علم بأحكام الشريعة، فضلا عن أصول السياسة الشرعية.
لا أدعي أيضا أنهم لا يريدون الإصلاح، وأنهم ـ لا سمح الله ـ يتآمرون على الشعب المصري، أو يتحالفون مع من له أطماع أو مصالح دنيئة في الداخل أو الخارج، من عملاء النظام السابق، لكن الواقع والتاريخ والأصول والقواعد تؤكد أنه ليس كل مريد للإصلاح يبلغه، وأن الهدف مهما كان ساميا قد تشوهه الوسائل والآليات، حتى يضيع سمو الهدف ذاته.
فضلا عن إن الطريق إلى تحقيق الهدف يختلف باختلاف آراء وعقول السائرين فيه، ما دامت الأهواء والمصالح هي التي تتحكم في إشارات الطريق، وليس وحيا أو قواعد شرعية إلهية.
ونحاول في هذه النظرة التحليلية تحرير هذه المسألة، أقصد (الخوف من الدولة الدينية)، حتى يكون المتحدث والمستمع على بينة من أمره حين يستمع إلى وجهة النظر لكل من الرأي والرأي الآخر.
تريدون حرية رأي؟ .. فلتكن للجميع
في بادئ الأمر إن تعجب فالعجب كل العجب من الذين ينادون بالحرية والديمقراطية وسيادة إرادة الشعب، ويعطون هذه الحقوق لكل الأحزاب العلمانية والاشتراكية والليبرالية، ثم يسلبونها من التيارات الإسلامية، ويصمونهم بأنهم أصحاب عقول مظلمة وأنهم يريدون أن يجروا الأمة إلى الوراء، ويرجعوا بـ"عجلة" الحضارة إلى الخلف.
وهي ذات الأوصاف التي روّج لها النظام السابق وملأ بها عشرات الآلاف من ساعات العرض الإعلامية، وعشرات الآلاف من صفحات الصحف، وسخر كل طاقاته في سبيل سياسة "تشويه السمعة" للتيارات الإسلامية.
وكانوا يتذرعون لهذه الأوصاف ببعض الأفكار التي اعتنقها بعض أفراد التيارات الإسلامية والتي كان السبب الرئيس في نشأتها هو استخدام أقسى أنواع القمع والعنف والتعذيب من الحكومة السابقة ضد أفراد التيارات الإسلامية، وعلى رأس هذه الأفكار (التغيير المسلح، وتكفير المجتمع). فأخذوا هاتين الفكرتين وطاروا بهما كل مطار وادعوا زورا أن هذه هي أولى أبجديات كل من انتمى لتيار إسلامي.
وامتدادا لهذه التربية السطحية للعقول التي استخدمها النظام البائد رأينا من تأثر بهذه الترويجات للنخاع يردد نفس ما قيل عن التيارات الإسلامية، من أنها جماعات دموية تكفيرية ذات عقول مظلمة، ولذلك يرفضون فكرة الدولة الدينية، وينادون بدولة مدنية.
ويستغلون في ترويج هذه الفكرة جهل قطاع كبير من الشعب بما يراد بمصطلح (الدولة الدينية)، أو حتى (الدولة المدنية)، كما إنهم عادة ما يتكلمون وهم مختبئون في "قرى محصنة أو من وراء جدر"، ولا يقوون على المواجهة والمناظرة مع العقلاء وقادة التيارات الإسلامية، ويتصدون معهم للحديث المفتوح حول الدولة الدينية ومفهومها ومستندها الشرعي وتأثيرها على الشعوب في الماضي، وما تأمله في المستقبل، ورؤيتها السياسية والاقتصادية، والرد على ما يروجه المغرضون من أن الدولة الدينية ضد مبادئ الديمقراطية والمواطنة، وتتبنى الحجر على حرية الاعتقاد وهضم حقوق الأقباط … إلى آخر هذه التهم الذين يريدون إلصاقها قهرا بالتيارات السلفية والإخوانية والإسلامية عامة.
ورغم أن الرد وتفنيد الآراء في مثل هذه القضية يحتاج إلى نقاش واسع لا يكفيه مجرد مقال في صحيفة … إلا أن تسطير الأصول والقواعد لا يحتاج إلى كثير كلام، ويحسن هنا أن تبرز قاعدة "خير الكلام ما قل ودل".
***
ليفصح لنا كل متحدث عن معنى كلامه
ففي ظل حرية الرأي واتساع رقعة النقاش حول هذه الأمور فلابد من كل متحدث أن يبين لنا معنى ما يقبل أو يرفض من تلك المصطلحات، ولا بد من كل مستمع أو محاور أن يستفسر عما يرفضه أو يقبله المتحدث. فقد يكون الخلاف بين من يقبل أو يرفض هو خلاف لفظي صوري فقط، أما المحتوى فيكون متفقًا عليه.
فمثلا عندما تعلن التيارات السياسية المختلفة رفضها للدولة الدينية لابد من أن يخبرونا ما معنى الدولة الدينية التي يرفضونها؟
- هل يرفضون الدولة التي تتبنى الأحكام الشرعية الإلهية وجعلها أساسا للحكم فيها؟
- هل يرفضون الدولة التي تسعى إلى تنقية المجتمع مما يغضب الله من المعاصي المنتشرة في كافة القطاعات ومؤسسات الدولة؟
- هل يرفضون الدولة التي تعطي للمرأة الحقوق الشرعية وتمنعها من الخروج عما أراده الله منها؟
- هل يرفضون الدولة التي تستقي من الأحكام الشرعية ما ينظم العلاقات بين المسلمين وأهل الملل الأخرى، والعلاقات بين الدولة المسلمة والدول الأخرى، والعلاقات بين الدولة وبين أصدقائها وأعدائها؟
- هل يرفضون الدولة التي تسعى لتحرير الناس من كل العبوديات الأرضية وتعمل على تعبيدهم لرب العالمين وإقامة دين الله في الأرض؟
- هل يرفضون الدولة التي إذا تبنت رأيا سياسيا أو اجتماعيا أو قضائيا أو حتى دوليا فإنها تسترشد بالكتاب والسنة في تدعيم اختيارها؟
وعلى الجانب الآخر عندما ينادي من ينادي بالدولة المدنية ماذا يقصد بها؟
- هل يقصد بذلك الدولة التي تتبنى إقصاء الدين عن الدولة، بحيث يتم استبدال القوانين الوضعية بالقوانين الإلهية، ويحكم الناس بغير ما أنزل الله؟
- هل ينادي بالدولة التي تنادي بالحريات المطلقة، إلى درجة التحرر من الأحكام الإلهية، والتحرر من العبودية لله؟ فيقصدون أن من أراد أن يخالف شرع الله فليخالفه بما شاء وقتما يشاء رفعا لشعار الحرية؟ فلا مانع من تعري المرأة، أو أكل الربا، أو نشر الرذائل على الشاشات؟!!
- هل ينادي بالدولة التي لا تدعم الدعوة إلى الإسلام وإقامة الدين جملة وتفصيلا، ولا تهتم بقضايا المسلمين؟
- هل ينادي بالدولة التي تحارب الدعاة إلى الله والمصلحين وتصفهم بالإرهابيين والرجعيين والمتخلفين؟
ومن جانب ثالث من ينادي بالدولة الدينية ..
- هل يقف ضد التقدم الحضاري، وإهمال البحث العلمي، وينادي بإدارة المؤسسات من داخل المساجد ومن فوق المنابر؟
- هل ينادي بدولة لا تحترم رأي الأغلبية وتحاول أن تحتكر الرأي لصالح حزمة من أصحاب المصالح الفردية؟
- هل ينادي بدولة لا تحترم المستأمنين من أصحاب العقائد الأخرى، وتدعو إلى ازدرائهم وهضم حقوقهم وقمعهم؟
- هل ينادي بدولة شبيهة بدولة إيران التي تقتات على التقيَّة والكذب، وتدعم أركانها بقمع المخالفين من أهل السنة؟ أم بدولة شبيهة بالكيان الإسرائيلي الذي أسس دولته على أكبر عملية سرقة حدثت في تاريخ البشرية، واتخذ من الظلم والقهر والاعتقال والاغتيال أدوات لتدعيم أركانها؟
- أم ينادي بدولة تحتقر دور المرأة في بناء المجتمع والمشاركة الفاعلة فيه؟
ليفصح لنا كل متحدث عما يقبله وما يرفضه .. حتى يستطيع جمهور الناس الذي انتفض وأسقط نظاما بأكمله أن يعي ويفهم قبل أن يتخذ قرارا بدعم هؤلاء أو التصدي لأولئك.
الدولة الدينية التي يقصدونها في كلامهم (الثيوقراطية)
عاشت التيارات الإسلامية عقودا يقصون على مسامع الناس من خلال كتاباتهم وخطبهم ودروسهم بداية قصة (العلمانية) أو فصل الدين عن الدولة، وأن الفكرة نشأت في الأصل في القرون الوسطى، حيث كان يحكم الرهبان والقساوسة البلاد والعباد بأهوائهم، وإذا ما اعترض معترض قالوا نحن نواب الرب في الأرض، ونحن المعبرون عن الإرادة الإلهية التي لا يحق لمخلوق الاعتراض عليها، وقاموا من خلال ذلك بإحداث المجازر ومحاكم التفتيش وإفشاء الظلم والقهر لمن يعترض عليهم، ونشروا بين الناس الفواحش والطوام، وقهروا العلم والعلماء الذين جاءوا بحقائق علمية تخالف ما في كتابهم المقدس، كل ذلك باسم الدين!!
ولذلك سميت دولتهم هذه بالدولة "الدينية" والتي ارتبط بها لفظ الثيوقراطية Theocracy)) أو حكم الإله. وهذه الدولة "الدينية" هي التي أقامت أوروبا الثوراتِ من أجل التخلص منها. وعلى رأسها الثورة الفرنسية أواخر القرن السابع عشر. التي كان من أهم نتائجها فصل الدين عن كل ما يخص حياة الناس وحصره داخل الكنيسة، واقتناع كافة الشعوب الأوروبية والنصرانية أن إدارة الكنيسة لحياتهم بهذه الطريقة بحجة أنهم صوت الله في الأرض كان أشد الأمور التي أفسدت عليهم معاشهم. لذا قرروا حصر الدين داخل الكنيسة، ورفعوا شعار (دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر)، قاصدين بذلك أن ما لله هو التعبد المحض بالصلاة والصيام وكافة الشعائر التعبدية التي تكون بين العبد وربه سواء كان يمارسها داخل الكنيسة أو خارجها. أما قيصر فكان نصيبه من حياة الناس أوفر حظا من نصيب الله، فله السياسة والتشريع والحكم والاقتصاد ومحددات العلاقات مع الآخر، وباختصار فإن لقيصرهم من حياة الناس كل شيء. وصدق الله حين قال عن إخوانهم من أهل الكفر: ((فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِه
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ