السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأحبة في الله اشتقنا لكم كثيرا… انتظرونا قريبا إن شاء الله

| ► | نوفمبر 2009 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |
| 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 |
| 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 |
| 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 |
| 28 | 29 | 30 | ||||
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأحبة في الله اشتقنا لكم كثيرا… انتظرونا قريبا إن شاء الله
اليهود قادمون… والمسلمون نائمون..!!

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الأحبة في الله زوار "صفحتي" لأسباب خارجة عن إرادتي, ولظروف شديدة مرت عليّ؛ أجد نفسي مضطرًا لأن أغيب عنكم فترة لا يعلم مداها إلا الله سبحانه وتعالى
وحقيقة لا أعلم متى سأرجع إليكم, وكم سيطول غيابي عنكم
فسامحونا إن لم نستطع التواصل معكم الأيام القادمة, ولكن لتعلموا أن جسور المحبة في الله والإخاء ممتدة بيننا ما دامت السموات والأرض
وإن لم نلتقي بين جنبات هذه الدنيا الفانية , فرجائنا في الله رب العالمين أن نلتقي في جنة الفردوس مع سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم
وأعتذر إن قصرت يومًا ف
" حتى لا تموت الروح "
الحلقة الثامنة
8- لوعة الحب والانتظار
منذ الوهلة الأولى لخطبتي لمنال، أدركت أنها من النوع الكتوم الذي لا يفصح عن مشاعره بسهولة، وأدركت أنني مقبل على مرحلة من العذاب والضنا.. فأنا أحبها ، ولا أملك من الوسائل ما أستطيع أن أعبر به عن هذا الحب، أما هي فمتحفظة ، حريصة كل الحرص في كلماتها وتعبيراتها ..
والرقيب، وما أدراك ما الرقيب؟ يعد علينا أنفاسنا.. وعندنا فوق ذلك وقبله رقابة ذاتية، ربما حدثتك عن أمثلة لها يوما ..
المهم أنني أحب وممنوع من التعبير، ولا شك يا صاحبي أن أشق أنواع العواطف على القلب هي العواطف المكبوتة التي لا يملك الإنسان التعبير عنها وإبرازها، ولقد استسلمت لهذا الحب الصامت، الذي كان يشقيني فعلا أكثر مما يسعدني ..
حتى أنني كثيرا ما عدت من زيارة منال، وقد كنت أثناء الزيارة على أحسن حال من الانطلاق والسعادة، كنت أحدثها عن نفسي، عن آمالي وطموحاتي، عن أعمالي ، عن بعض ذكرياتي المختلفة.. عن بعض قضايا الساعة، وتحدثني أحاديث مقتضبة ، لكنها كافية للتعرف عليها وعلى أفكارها واهتماماتها، وأعمالها ..
أكون في حضرتها سعيدا، رغم الرقابة، ورغم الحرمان.. لكنني أكون سعيدا بمجرد القرب منها والحديث إليها، وتصل سعادتي ذروتها حين أستمع إلى النغم الذي يصدر من فمها على هيئة كلمات يجملها صوتها الرخيم الفخم ..
فإذا عدت من زيارتها إلى بيتنا، شعرت بكآبة شديدة وأصبت باكتئاب حاد .. وأشعر وكأنني فقدتها ، فقدت منال، وفقدت السعادة ولو إلى حين !!
لم أعد أطيق صبرا على فراقها هذا الأسبوع الطويل الممل، حتى يحين موعد زيارتي المقبلة ..
أما منال فكانت تتفنن في تعذيبي، وازدياد لوعتي وأشواقي ..
كان والدها مريضا بالكلى، ورأيت أن ذلك فرصة سانحة، لأتصل هاتفيا ببيتهم كثيرا للاطمئنان على صحة الوالد العزيز، ولم أكن أرجو إلا أن أسمع صوتها ، أن أسمعه فقط ! وكنت مستعدا أن أقسم بأغلظ الأيمان أنني لن أكلمها كلمة رقيقة واحدة ..
ومع ذلك ماذا تظن أنها كانت تفعل معي؟
لم تكن ترد ابتداء على الهاتف، فكان الذي يكلمني في كل مرة شخص مختلف .. فأتعمد أن أتحدث في البيت في أوقات لا يتواجد فيها أخواها ، وعندما كانت ترد على الهاتف وتعرف أنني المتصل ، كانت تجيبني :
- لحظة واحدة.. ثم تعطي سماعة الهاتف إلى أمها، أو تذهب بها إلى أبيها المريض على فراشه ليرد علي بنفسه !!
كنت أشعر وأنا على الطرف الآخر أنها تفعل ذلك بارتباك ظاهر وحذر شديد وكأنني سأخطفها عبر أسلاك الهاتف !!!
و كان أشد ما يؤلمني طيلة شهور من خطبتنا أنها لم تكن تنطق اسمي، لم أسمع اسمي من فمها ولو لمرة واحدة ..
كان بعض أصدقائي المقربين ممن يعرفون ما اشتهرت به بينهم من حياء وتحفظ ، ويسمعون عن التزام شقيقة عصام يتندرون علينا في مجالسنا قائلين :
- إن عماد وخطيبته من النوع الذي يقول حضرِتك، وسعادتك.. ويا أفندم.. إنها خِطبة في ثكنة عسكرية ..
كانوا يضحكون، وكنت أحترق، ولم يكن شيء مما يحدث في لقاءاتي بمنال يمكن أن يتسرب إلى لساني، لقد كان كل ما بينا من الأسرار المقدسة ..
كانوا يتندرون عليَ، وكنت أحترق ، لأن هذا ما كان يحدث فعلا ..
كانت تخاطبني بحضرتك، وأفندم.. وكأنني ضابط المباحث المكلف بالتحقيق معها !!
كنت قد اتفقت مع عصام ، حيث إنه كان المسؤول المكلف من قبل الأسرة على وضع بروتوكولات العلاقة بيني وبين منال .. مواعيد الزيارة ، عددها في الأسبوع ، وكانت بالطبع زيارة واحدة أسبوعيا ، حتى استطعت بعد شهور انتزاع موعد لزيارة ثانية ، ومكان الزيارة ، وغير ذلك من بروتوكولات ..
والحقيقة أن عصام خيرني بين عدة أمور بشأن ترتيب جلستي مع منال أثناء الخطبة ، كان من بينها أن نجلس معا في غرفة من غرف المنزل ، وأن نكون معا بمفردنا على أن يكون باب الغرفة مفتوحا على الشقة ، وبذلك يمكننا أنا ومنال الحديث البريء في شتى الموضوعات بحرية تامة ، مع عدم حدوث خلوة ..
لكنني فضلت أن نجلس في غرفة الصالون مع وجود محرم (رقيب) بحيث نكسر فكرة الخلوة بشكل لم يخلو من مبالغة !!
وكانت غرفة الصالون التي اخترتها لجلساتنا معا، والتي طالما شهدت لقاءاتنا التحضيرية لأنشطة طلابية كنا نقوم بها في الكلية أيام الدراسة الجامعية.. فكنا نسميها الغرفة التي على الطريق، التي تحبنا، ونحبها ..
وإذا كان هذا هو شعور مجموعة من الطلاب من أصدقائنا أنا وعصام، فإن الحب الحقيقي للغرفة التي على الطريق أصبح من نصيبي خالصا لي دون غيري من الأصدقاء والرفاق ..
وكانت الغرفة نفسها.. غرفة خارجية، منفصلة عن باقي الشقة، ولها باب أو مدخل على درج المنزل، وكان أثاثها هو الطقم العتيق لصالون الأسرة المكون من كنبة ، وأربع مقاعد وثيرة من الطراز الكبير المريح، وفي وسط الغرفة منضدة عليها قرص من الرخام الفاخر ..
كان هذا الطقم الذي يكون أثاث الغرفة يستوعب مساحة الغرفة ذات المتوسطة كلها، وكان هذا الاستيعاب، يضفي على الغرفة جوا من الدفء، ويجعل بيني وبين منال شيئاً من القرب المكاني أثناء جلساتنا.. فكنت أجلس دائما على الكنبة الموجودة على يسار باب الغرفة بينما هي تجلس على آخر مقعد جهة اليمين، من المقاعد الثلاثة المكونة للصف المقابل، لتشكل في جلستها زاوية جانبية مع جلستي ، متجنبة بذلك أن تكون في مواجهتي في خط مستقيم كأنها تتحاشى نظراتي إليها .. بينما يجلس الرقيب في المقعد الثالث على يسار الغرفة ويظل المقعد المجاور لمنال والمواجه لي تماما شاغرا طوال لقاءاتنا.. هكذا كانت جلستنا المعتادة خلال شهور ..
بعد فترة من الزمن لم أعد أطيق عدم التعبير عن مشاعري تجاه خطيبتي وحبيبتي ، وكنت قد قرأت إعلانا بأن كلية التربية تعقد دبلومة دراسية في التربية لخريجي الجامعة العاطلين من أمثالي، لإعدادهم كمدرسين في مجالات تخصصاتهم الدراسية المختلفة.. كانت مدة الدراسة في هذه الدبلومة عاماً دراسياً كاملاً، وكانت بمصروفات كبيرة إلى حد ما ..
ولم أكن يا صديقي ممن يطيقون الدراسة والبحث.. على الرغم من أنني شغوف بالبحث الأكاديمي شريطة أن
" حتى لا تموت الروح "
الحلقة السابعة
7- أول هدايا حبيبي
بعد زيارة أسرة عماد لنا، والاتفاق على إتمام الخطبة ومشروع الزواج، بدأت أتلقى هدايا حبيبي عماد، وأنا وإن كنت أروي عن هذه الفترة في حياتي بهذا الوضوح وتلك الجرأة التي لا توحي بأي قدر من حياء أو خجل، فإن الحقيقة كانت غير ذلك تماما، لقد كان هذا ما يشعر به قلبي وتعلنه دقاته العنيفة التي ظلت تعزف لحن الحب ..
لكن نطق تلك الكلمات ذاتها فكان هذا من أول المستحيلات وليس من رابعها فحسب، لقد كانت كلمة حب وحروفها، وكل ما يتصل بها من مشتقات، من المحرمات في أسرتنا المحافظة، كنا نخجل من مجرد تداولها حتى بين الأخت وشقيقتها ، أو البنت وأمها ..
كانت كلمة (حب) كلمة خارجة تماما عن نطاق قاموسنا العائلي، لكني بعد أن تحررت من سيطرة تقاليد عائلتنا المحترمة علي يد عماد، فإنني أروى ما شعرت به فعلا دون أي مواربة أو خجل ، فلقد أحببته ..
منذ هذه الفترة الأولى بدأ عماد يمطرني بالهدايا.. وكانت أول هدية وأغلاها عندي وأكبرها على قلبي، هي اختياره ليوم ميلادي ليكون يوم إعلان خطبتنا ..
كان لذلك وقعا غير عادي على نفسي، لقد شعرت من هذه الهدية الأولى واللمسة الرقيقة الحانية، كم هو شاعري هذا الإنسان، إنه مخلوق عاطفي بالفترة ..
كنت وقتها أقرأ كتابا رقيقا عجيبا ، هو من أجمل ما قرأت في حياتي عن فن ( الإتيكيت )، وكان الكتاب بعنوان (الذوق) ، وكان مؤلفه الحاج عباس السيسي، وهو رجل أفنى عمره في دعوة الإسلام والتعرض للمحن والابتلاءات ، وما قيل عن ثباته واحتماله، يجعله آخر من يظن الإنسان أن يصدر عنه مثل هذا الكتاب الرقيق كل الرقة، المهذب كل التهذيب، الراقي كل الرقي.. وهو ربيب السجون والمعتقلات، ورجل الكفاح والمواجهة !!
وكان خطيبي عماد كأنه يطبق حرفيا سطور هذا الكتاب الذي كنت شغوفة به وقتها ..
كان حسا راقيا جدا منه أن يحتفي بيوم ميلادي الأول معا بهذه الطريقة، لقد أعطى لهذا اليوم الذي لم أكن أعبء به من قبل أو أشغل بالي به، أعطاه معنى وقيمة كبرى في حياتي ..
لقد أدركت من هذه اللفتة الرقيقة أنني فعلا قد ولدت من جديد، وأن ميلادي الجديد هو ميلادنا معا، أنا وعماد ..
و تذكرت أغنية كانت حبيبة إلي نفسي أيام الصبا تقول :
لما اتقابلنا عرفنا يومها ليه احنا اتولدنا
وقلنا السنة الجاية ده أول عيد ميلادنا
فهل يا ترى سيأتي يوم وأردد مع الأغنية نفسها قولها :
لما بتخاصمني روحي بتخاصمني
وألقى نفسي تايهة والدنيا تايهة مني
هل يمكن أن يكون بيني وبين عماد خصام وعتاب وهجر؟..
أغمضت عيني ورجوت الله بكل إخلاص ألا يكون ..
أما الهدية الثانية، فقد كانت شبكتي ..
كنت قد أخبرت عماد أنني لا أحب الذهب ولا ألبسه، وكنت مشفقة عليه من أن يشتري لي شبكة غالية القيمة، مع أني فعلا لن أتزين بها ولن تكون لها فائدة ..
ولكنه اشترى هدية خطبتنا (أنسيال) كان تحفة فنية، ولقد أجمع كل من رآه ، وخاصة من النساء، وكانت منهن خبيرات بالذهب مفتونات به وبوسوسته ، على أن هذه المشغولات الذهبية لا يتم تصنيعها هنا في مصر ، وأن هذه التحفة الذهبية ، الخفيفة في وزنها، النادرة في نقشها وإبداعها، يمكن أن تكون مستوردة من الخارج ، أو لعل والدة عماد قد أحضرتها معها من إحدى دول الخليج حيث كانت تعمل ..
لكن عماد قد أكد لي في مناسبة تالية أنه هو الذي اشتراها على ذوقه الخاص ، وكانت فعلا مختلفة عن المعروض ليلتها في سوق الذهب (الصاغة)، كان يقول ذلك برقة خجلا ومعتذرا عن انخفاض قيمتها وخفة وزنها ..
ولقد أردت أن أقول له إنها عندي تساوي أكثر بكثير من أغلى شبكة تقدم لأي عروس.. يكفي أنها من ذوقك الخاص، ولئن رخص ثمنها، فيرفع قيمتها وقدرها العناية باختيارها.. لقد جعلت المحيطات بي من خالات وقريبات وصديقات منبهرات بها ..
كل هذا قد ذكرته لعماد بلا صوت، فكل الذي استطعت أن أنطق به هو قولي له :
جزاك الله خيرا.. لقد كلفت نفسك كثيرا من أجلي ..
كثير جدا من المشاعر كنت ل
" حتى لا تموت الروح "
الحلقة السادسة
6- أسرتي تتحفظ !!
كان أول من أسررت له بنبأ تقدمي لخطبة شقيقة عصام، هو (أحمد عبد الجواد) صديق العمر، كنت أأتنس برأيه، وأحب أن أسعده كذلك بخبر طيب، فقد كان يفرح لي كفرحه لنفسه..
وكان لأحمد شقيقة تخرجت في نفس كلية (منال)، أخبر أحمد شقيقته بأمر هذه الخطبة، ثم جاءني في اليوم التالي قائلا في بشر :
أن شقيقته أخبرته أن منال تتمتع بلباقة وثقافة غير عادية، وأنها كانت رقم واحد (نمبر وان) بين طالبات مدينتنا بالكلية.. فرد عليها أحمد متحمسا : ونحن أيضا قد جئناها بخير من عندنا، إن عماد هو خطيب الجامعة..
تذكرت أنا هذه البشرى السارة، وأنا أناقش تحفظات أمي، وانطباعاتها عن أهل منال وبيئتها، كنت شديد المراهنة على منال.. وقد كانت والحق يقال أهلا للمراهنة عليها بالروح والنفس..
ثمة تحفظات بسيطة بدأ تداولها في جانب أسرتنا، إلى جانب عقدتنا القديمة المتعمقة في جذور نفوسنا من فتيات المساجد..
صارحتني أمي قائلة :
أنا أعرف خالة منال جيدا، كانت زميلة قديمة لي في المدرسة التي كنت أعمل بها قبل خمسٍ وعشرين سنة.. وبالمناسبة فإن خالتها هذه كثيرا ما أطعمتك من يدها، عندما كنت ترفض تناول الطعام من يدي وأنت صغير !!
استبشرت وقلت لأمي : خيرا.. أي أن بيننا عيش وملح..
أردفت أمي متجاهلة تعليقي المرح : لقد كانت خالتها سيدة فاضلة.. لكنني أصارحك القول يا عماد أنها من بيئة شعبية جدا، في طريقة حديثهم، ومعاملاتهم العامة.. ثم أضافت متشككة : وأنا أعرف يا بني مدى نفورك من هذه البيئة، وتعودك على مستوى معين من المعاملة..
قلت مؤكدا : لقد تعاملت مع والدة منال في أكثر من مناسبة، في ظروف ألمت بعصام، وأخذت عنها نفس الانطباع الذي تذكرينه يا أمي، ففعلا بيئتهم شعبية جدا.. ولكنني متأكد أن منال مختلفة تماما، فهي ليست ابنة بيئتها.. ولا تنسي يا أمي أن التعليم الجامعي، والإقامة بالمدينة الجامعية بالإسكندرية، والتعلق بدروس المساجد.. كل هذه مقومات تعيد صياغة الإنسان وسلوكه الاجتماعي..
قالت أمي في تشكك : لقد صارحتك يا بني بما عندي وأنت حر فيما تراه، ولكني أدرى بتطلعاتك.. أنا أعرف أنك أرستقراطي أكثر من مستوانا الذي نعيش فيه.. فهل ستتحمل أن تتعايش مع مستوى اجتماعي مختلف عنه ؟!
وعدت أؤكد لأمي على لباقة منال وكياستها التي شهدن بها المحيطات بها من معارفها..
ولقد كانت منال يا صاحبي بنت الحارة.. أو فلنقل أن أسرتها كانت أسرة عاشت حياتها في الحارة.. ولا يجب أن يغيب عن ذهنك أنني لا أقصد بالحارة هنا، الحارة المصرية التي صورها أدب نجيب محفوظ..
فالحقيقة يا صاحبي أنني أحب حارة نجيب محفوظ.. بدفئها وحميميتها، وترابط العلاقات بها..
أحب المشربية، وصورة بنت البلد بالبرقع والياشمك.. وربما بالخلخال أيضا..
أحب خان الخليلي، وزقاق المدق..
لكن يبدو أن الحارة في القاهرة ليست كالحارة في (دمنهور)..
لقد أعجبت في فترة مراهقتي بـ(حميدة) وهي تختر بدلال في زقاق المدق، وتعلقت بابنة خان الخليلي، وأحببت فتيات حواري محفوظ.. بيد أن حارة مدينتنا لم تكن تمت بصلة قرابة أو نسب للحارة المحفوظية في الأدب العربي..
فلم يكن ثمة فارق واضح وحقيقي بين الحارة والشارع الكبير في مدينتنا، بل كان لكل شارع رئيسي عدة حارات جانبية كمنافذ من هذا الشارع إلى الشوارع الأخرى.. وكان بيت أسرتي الذي درجت فيه، يطل على الشارع الرئيسي الواسع الجميل، كما يطل من جهته الخلفية على شارع جانبي، كنا نعتبره حارة !!
ولم يكن ثمة فرق جوهري بين سكان بيوت تفتح أبوابها وشرفاتها على هذه الجهة أو تلك..
لكن الحارة التي أقصد أن منال قد درجت فيها مع أسرتها، فلقد كانت أمرا مختلفا.. كان الحي كله برمته حيا شعبيا، من تلك العشوائيات القديمة، وكان بيتهم وهو بالمناسبة بيت العائلة، يطل على حارة ضيقة مظلمة (زقاق)، ويسكن فيها أخلاط من بيئات شتى يغلب على أهلها أن يكونوا من أرباب الحرف.. ويغلب على نساء الحارة : الأمية، والفراغ..
لقد كن في تباين واضح مع سكان وسط البلد، أو ما كنا نطلق عليها أحياء المدينة الجديدة.. التي أقيم فيها، وكانت جل نسائه من أصحاب الشهادات الجامعية والمتوسطة، والوظائف الحكومية المرموقة أدبيا واجتماعيا.. المطحونة ماديا !!
وكانت حارة بيت أسرة منال - كنظيراتها - تتميز بجلوس النسوة لفراغهن على أعتاب المنازل يرصدن الرائح والغادي، ويناقشن أمورهن اليومية، وربما أسرارهن المنزلية على رؤوس الأشهاد !.. مع هذا التداخل الغريب بين المنازل، بما تطير معه أسرار البيوت، وما يدور في ظلماتها خلف الأبواب المغلقة..
بعكس شوارعنا الواسعة، والتباعد النسبي للسكان، وفتور العلاقات الاجتماعية، وإغلاق البيوت على أسرارها..
وكانت الحارة تنتهي بفسحة أكثر اتساعا، وهي البرحة أو الفسحة التي تحتوي على صنبور المياه (حنفية الماء)، وقد كان هذا المنظر.. منظر(حنفية المياه) والنساء الشعبيات بزيهن التقليدي(الملس الأسود)، يتجمعن حولها لملئ آنيتهن بالماء، أو غسل القدور على قارعة الطريق..
منظر ولا شك ينقلنا من عصر إلى عصر.. ينقلنا من قلب المدينة النابض حيث البنوك، والحدائق والمصالح الحكومية، والمديريات العامة، والمؤسسات الحديثة، والمحلات التجارية الراقية، والمساكن الضيقة النظيفة.. والشوارع المنتظمة.. إلى جو الريف بكل ما يوحي به من تقليدية، غير أنه لم يكن هناك جدول مياه رقراق، ولم تكن ثمة حقول خضراء..
في الحارة يتم تبادل الألفاظ البذيئة، والنكات المكشوفة، والكلمات والعبارات الشعبية، بشكل أوسع وأعم من تكرارها في شوارع وسط البلد.. ويتم صرف السباب الحاد بالمجان، ولأتفه الأسباب، وأحيانا كثيرة على سبيل الدعابة والمجاملة والترحيب !!
إن طبيعة السلوك والمعاملة في الحارة تختلف في الملابس والزي.. طريقة الكلام.. الآداب والسلوكيات العامة..
فإنك وأنت تتجول ترى بسهولة النساء على أبواب الدور، بملابس النوم.. ملابس تعكس الترخص والسهولة.. أما الفتيات فيظهرن (بجلابيب) البيت دون عناية خاصة بمظهرهن..
وترى الأولاد الصغار، بالملابس الداخلية فقط، أو تراهم بملابس النوم متسخة، فضلا عن انك تجدهم دائما حفاة، لا يحبون انتعال الأحذية، ولا حتى البسيطة منها !!
وترى الشباب يقف متنطعا على الناصية، يتسقط سمعه الأصوات والأسرار والحكايات، خاصة النسائية منها..
لقد كنت أنقل مشاهداتي هذه عن الحارة لأصدقائي منذ أيام الدراسة الجامعية، فكانوا يسخرون مني في دهشة !!
وهم يهتفون:
أنت تعيش في برج عاجي يا عم عماد.. خفف من غلوائك الحالمة هذه شيئا ما، لتحيا معنا على الأرض..
وكنت أنظر إليهم مشفقا.. لأنني فعلا لم أكن أستطيع.. وكانوا هم على حق فالأحياء الشعبية هي أصل مدينتنا، بينما الأحياء الجديدة هي امتداد دخيل عليها..
ويسكن في الحارة كثير من (الأفنديات) وهم من موظفي الحكومة ذوي الدخول المتوسطة.. وتتميز أسرهم بصفات عامة مشتركة، تفصلهم اجتماعيا ووجدانيا عن البيئة التقليدية للحارة.. ربما اختلط أبناء تلك الأسر من الذكور ببيئتهم، فينطلقون للعب مع الجيران والأتراب، دون الشعور بالغربة عن أبناء الحارة..
أما المرأة أو الزوجة والأم، فتبقى غالبا في بيئة منعزلة تماما عن الجارات، فهي في الأعم الأغلب امرأة عاملة، لها أولوياتها وضوابطها، وعلى غرار الأم العاملة المثقفة، تنشأ فتيات أسر(الأفندية)، شبيهات أمهاتهن في مفاصلة مع الوسط الاجتماعي للحارة، وبعض هاتيك الفتيات يشعرن بالنفور والانزعاج من كونهن بنات الحارة، فهن يردن أن يكن مثل أترابهن من بنات المجتمعات الراقية المتطورة..
وكان الحاج نور الدين (والد منال) وأسرته من بين أسر الأفندية التي تسكن الحارة الشعبية..
و(حارة النمر) حارة تقع داخل حارة جانبية أخرى، بين سوقين من أسواق المدينة للخضروات والفاكهة والسمك.. فأنت تذهب إليها متجاوزا سوق(سيدي عمر) مارا بحارة(مصلي) ثم حارة(الغفرا) حتى تصل إلى حارة النمر التي يقع بها مسجد(النمر)..
وكان بيت السكنيدي نفسه بيتا متهالكا قديما.. لكنه لم يكن متداعيا أو آيلا للسقوط.. كان من هذه الناحية، قويا، كالشيخ الذي يطمع ورثته في موته، لتؤول ثروته إليهم.. لكنه يقف في وجههم صامدا يخرج لهم لسانه في سخرية، وقد قضى أغلبهم نحبهم قبله..
كان بيت السكنيدي من هذا النوع الصامد المتحدي رغم الشيخوخة والظلمة، والبروز في الحارة..
ولم يكن له ثمة شرفات على الشارع، بينما كانت له نوافذ من تلك الكبيرة العتيقة..
أما أنا يا صاحبي، فلقد كنت للأسف الشديد أرستقراطي النزعة والتوجه، لم أكن حتى أختلط بأترابي من أبناء الشارع، ولو كان من شوارع وسط البلد !! وكان أصدقائي من بيئات اجتماعية شتى، بغير أدنى تمييز، لكن كان يجمعهم جميعا، عفة القول والسلوك.. وتهذيب التصرفات، ورقة الأسلوب..
كما لم أكن في طفولتي أحب أن ألعب مع أقراني في الشارع، لقد أصبحت منذ نعومة أظفاري مدمنا على الذهاب إلى نادي المدينة الاجتماعي، وهو يمثل شريحة النوادي بطبقتها الاجتماعية الراقية..
والحقيقة يا صاحبي أعترف أنني كنت أدخل إلى النادي الاجتماعي الراقي متسللا..
لا أريد أن يذهب عقلك إلى أنني كنت من متسلقي الأسوار..
" حتى لا تموت الروح"
الحلقة الخامسة
5- الموافقة النهائية, والتجهيز للخطبة
بعد لقائي الأول مع عماد عرفت لأول مرة في حياتي معنى الحب.. كنت أشعر بالحياء الشديد حتى من نفسي، حين تلح علي هذه المشاعر الجميلة الحالمة، وأتساءل :
هل حقا من حقي أن أشعر تجاهه بهذه العاطفة قبل أن يربطنا أي رباط من أي نوع ؟..
إنه بالكاد تقدم لخطبة لم تتم ؟!
لكني كنت أخادع نفسي إذ أطرح عليها مثل هذه الأسئلة.. لأن الأمر لم يكن أمر منطق وعقل ..
لقد قال القلب المحروم الظمآن، أو القلب الراهب الزاهد الذي كان يطرد خواطر الحب وأطيافه من قبل ..
قال كلمته ..
وليس للقلب كلمة سوى كلمة ( الحب ) ..
وأنا قد أحببت عماد ..
لم يعد الأمر بعد كلمة القلب يحتمل أي نوع من الممانعة أو التلكؤ ..
كان علينا أن نذهب إلى شقة عماد لنعاينها على الطبيعة، وأيا كانت نتيجة هذه المعاينة، لم يكن من المحتمل أن تكون سوى نتيجة واحدة تقضي بإتمام الخطبة ..
لكن هناك أبي وشروطه، ولئن تنازل الرجل مشكورا عن كثير من طلباته المادية التي لا غنى عنها لأي أسرة تقبل ابنتها على الخطبة، إلا أنه لن يتغاضى أبدا عن أي عيب يمكن أن يراه في شقة الزوجية المنتظرة ..
أخذت أدعو الله تعالى وألح عليه في الدعاء أن ترضي شقة عماد أبي، وأن يوافق على خطبتنا سريعا ..
كنت أضحك من نفسي وأتساءل :
إذا كان هذا هو حالي.. فكيف يكون حال المسكين عماد ؟..
لعله يدعو بحرقة أكبر، فالشقة في النهاية هي شقته ..
رغم القلق واللهفة، كان هناك شعور دائم يطمئنني أن عماد هذا من نصيبي، وأننا خلقنا من نفس واحدة ..
جاء موعد ذهابنا لمعاينة الشقة وكان ذلك بعد عصر يوم الجمعة التالي للقائنا معا.. وكانت بالنسبة لي فرصة لكي أختلس بعض النظرات إلى عماد.. تلك النظرات التي عجزت عنها وأنا بمواجهته في غرفة الصالون.. بالإضافة إلى شغفي لرؤية مسكن المستقبل، وهل يتطابق مع ما في خيالي أم لا ..
في النهاية وصلنا إلى العنوان المطلوب ..
كنا قد أخذنا طريقنا عبر الشوارع الرئيسية بالمدينة، وكانت فكرة عصام، ألا نستقل سيارة أجرة.. حتى نستطيع أن نقدر المسافة من بيتنا إلى شقة المستقبل.. ثم وصلنا إلى شارع محطة السكك الحديدية، واتخذنا منه شارعا متفرعا، لكنه رئيسيا أيضا يربط بين محطة القطار ، وبين محطة الحافلات (شارع الأتوبيس) كما نطلق عليه في مدينتنا ..
وأخيرا توقف بنا عصام في منتصف هذا الشارع تقريبا.. وأشار لنا إلى أحد البيوت .. وبدا لي المنظر مبشرا وواعدا، فقد كان البيت إذن يطل على شارع عمومي واسع ..
لكن عصام ما لبث أن أوضح لنا، أن مدخل البيت من الجهة الخلفية، ومضينا في خطوات بطيئة ، يقطعها كل من أبي وأمي بالتأمل لما حولنا، فوصلنا إلى حارة ضيقة.. ربما كانت شبيهة إلى حد كبير بحارتنا التي نقيم فيها .. وهنا توقف عصام ، وأشار لنا إلى مدخل البيت ..
وتطلعنا جميعا إلى منظر البيت فوقنا ..
من الوهلة الأولى بدا المنزل نفسه قديما جدا .. وصغير المساحة ..
ولمحنا عماد الذي كان ينتظر في الشرفة، فخف هابطا الدرج بسرعة، ليكون في استقبالنا بابتسامة بشوشة وسلم على أبي وعلى أمي وعلى عصام، ثم دعانا للصعود دون أن يوجه لي كلمة واحدة.. ربما حياء ، وربما ارتبا
الرواية الواقعية "حتى لا تموت الروح"
الحلقة الرابعة
4- شهادتي عن اللقاء
وإذا كان ما مضي هي رواية منال التي روتها لي عن لقائنا الأول، فإنه لي أيضا ما أرويه لها عن هذا اللقاء الذي غير مسار حياتي تغييرا جذريا، صحيح أن بوادر هذا التغيير الجذري كانت تلح علي منذ زمن، لكن كان هذا هو اللقاء الحاسم في مجرى الحياة ..
كنت أستعد لهذا اللقاء منذ فترة، وبالتحديد منذ قابلت والدها قبل حوالي أسبوع ، وكنت لا أزال أعمل في محل (البقالة) أتمرن على مهنة اعتقدت يوما أنها ربما أصبحت مهنتي ، وكنت أمضي في العمل نحو ثماني ساعات كانت كفيلة في الحقيقة إلى التهام جزء مؤثر من الوقت.. لكن ساعات العمل كانت عاجزة تماما بالطبع عن التهام تفكيري في هذا الموعد الذي ينبني عليه الكثير ..
في هذه الفترة وربما قبلها بقليل، كان عصام قد استوثق مني أنني لم أرَ شقيقته ، وأنني تقدمت لخطبتها (عمياني) على حد تعبيره عن ذلك ..
فأخذ يلح علي مشددا أن أراها قبل أن نقدم على أية خطوة أخرى، وأخذ يحدد لي المواعيد التي تذهب فيها إلى دروس المسجد، وواعدني أن ألتقيه قبل هذه المواعيد بقليل حتى أتمكن من رؤيتها ..
لكن ظروفا ألمت بالمساجد وحالت دون انعقاد تلك الدروس، ولم يتيسر لي رؤيتها ، وكان عصام مصرا على هذا الطلب ، وكنت أنا غير حريص عليه ، ولكني وللخروج من هذا المأزق ، ومرور الزمن دون اتخاذ خطوة عملية ، ألححت على عصام أن يأتيني بصورة فوتوغرافية لها ، تردد عصام ، وهو يقول :
من الصعب الحصول على صورة حديثة لها ..
وأكدت له أن الصورة تكفي.. وكنت في قرارة نفسي أعلم أن الصورة لن تكفي ، غير أنني كنت واثقا أن الشكل الخارجي لن يغير من رأيي ولا موقفي قيد شعرة.. ولذا ألححت عليه في هذا الطلب، قطعا للوقت، ومنعا للاختلاف بيني وبينه حول هذه النقطة ..
وعاد عصام بعد يومين فأحضر لي شهادتها الجامعية معتذرا عن عدم حصوله على صورة مفردة حديثة لها.. فشكرته، ورجوته أن يترك هذه الشهادة عندي لصباح اليوم التالي، ولعل عصام، رغم حرصه الشديد لم يتوقع غرضي من هذا الطلب ، فوافق عليه بلا مناقشة .. أما أنا فأخذت الشهادة الجامعية ونسخت منها صورة، ثم قصصت منها صورة منال ، وأصبحت أحتفظ بها تحت وسادتي، ولا أخفي عليك أنني في بعض الليالي التي تلت ذلك ، كنت أتحدث إليها.. إلى الصورة.. كنت أحاول أن أأتلف معها.. وأحيانا كنت أطبع على هذه الصورة …..
وكنت اعلم أن أمي الحبيبة من النوع الذي لا يهدأ، فهي لا تدخر وسعا في قلب سريري ، بل غرفتي كلها رأسا على عقب للتنظيف والتنظيم وخلافه ، فكنت أضع الصورة الحبيبة أسفل وسادتي وقت النوم ، فإذا استيقظت صباحا ، أخفيتها خلف مرآة خزانة ملابسي ، فما كانت أمي لتنظف خلف المرآة !
وأذكر أنني كنت ذات مرة في رحلة عمل خاطفة مع صديق لنا ، وكانت بعض أنباء عن تقدمي لخطبة شقيقة عصام قد بدأت تتسرب ، سألني رفيق الرحلة هل رأيتها ؟
فأجبته : رأيت صورتها ..
عاد رفيقي يسألني دون مواربة سؤالا ربما حاك في صدره :
هل هي جميلة؟
وأجبته إجابة أحببت أن تكون قاطعة ، ورجوت أن يبلغها لكل من يحاول أن يتطفل على هذه الجزئية تحديدا، قلت له :
من خلال الصورة، وبالطبع هي غير واضحة تماما ، لكن أستطيع أن أقول مقبولة .. ولو أني أردت الزواج حسب مواصفات الجمال المتعارف عليها ، لم أكن لأختار صاحبة هذه الصورة .. غير أن الجمال الذي سيطر علي هو جمال روحها ، وهذا ما أنا في حاجة ماسة إليه ، وهذا يكفيني ويسعدني ..
مرت الأيام إذن ، وتجهزت للقاء المرتقب.. أتذكر أنني صليت صلاة .. لم تكن صلاة استخارة ، وإنما صلاة دعوت الله تعالى
"حتى لا تموت الروح"
الحلقة الثالثة
3- اللقاء

حدد معه عصام موعدا للقائي بعد نجاحه في أخذ الموافقة المبدئية من أبي.. أبلغه عصام أنه تبقت خطوتان نحو إعلان الموافقة النهائية على الخطبة.. الخطوة الأولى هي خطوتنا معا، أنا وهو.. وهل سيحدث قبول بيننا، أم أن لكل منا رأيا سيبديه عقب المقابلة.. وأما الخطوة الثانية والحاسمة في حالة حدوث القبول بيننا هي رؤية الأهل للشقة ، للموافقة النهائية عليها ..
كانت هذه الأخبار تأتيني عن طريق أمي، فلم يكن عصام قد صفح عني بعد .. رغم اتخاذه لكافة الخطوات العملية لإتمام هذه الخطبة، إلا أنه مازال حانقا علي لمعارضتي رأيه، وخروجي ككيان منفصل مستقل عن كيانه كشقيقي الأكبر وصديقي ، وحامل أختام أسراري !!!
علمت أن الموعد سيكون يوم الاثنين القادم عقب صلاة العشاء، كان اليوم هو السبت.. فمازال أمامي يومان حتى نلتقيا.. فهل تراني أعجبه.. لم أسأل نفسي هل تراه يعجبني.. كنت أشعر أن هذا سؤال قد أعد له الجواب ..
ومضى يوم السبت ومثله الأحد ثقيلا بطيئا كالحا، لا يريد أن ينقضي، وأشعر أن ساعات اليوم قد زادت أو طالت فعلا عن معدلها الطبيعي، ولم يكن هذا محض وهم ، ولكن كان له سبب فسيولوجي وجيه، لقد تسارعت دقات قلبي بشكل ملحوظ ، ولم يعد يدق ستين دقة في الدقيقة ، بل أصبح يدق خمسة وسبعين دقة أو ربما ثمانين دقة أو خمسة وثمانين، ولذا فقد كنت أشعر باتساع الدقيقة وطولها ، ومن ثم طالت الساعات فالأيام ..
حتى الظروف الخارجية نفسها كانت كأنها تتحالف ضدي.. كان الجو العام خانقا جدا في مدينتنا ..
كنت معتادة على الخروج إلى دروس المسجد بشكل شبه يومي تقريبا، ولا يخلو بيتنا من زيارات أخواتي وصديقاتي، لكننا الآن رغم كوننا في منتصف فصل الصيف تقريبا، وحرارة الجو خانقة تماما، كان الجو العام يوحي بخريف الغضب عقب أحداث نقابة المهندسين بمدينتنا ..
كانت النقابة قد عقدت مؤتمرا عاما لمناصرة قضية البوسنة والهرسك ، وحدث أن كان عدد الحضور ضخما .. أنا وصديقاتي كنا من الحاضرات ، لم يقتصر الحضور على المهندسين ولا النقابيين ، ولكن شمل جماهير عريضة من الشباب ، وضاق بهم مقر النقابة ، فأبقونا والسيدات في المبنى ، وأخذت الجماهير تتابع المؤتمر في الشارع الرئيسي ، والشوارع الجانبية حول مقر النقابة ، واعتبر مسؤولوا الأمن بالمحافظة أن ما يحدث تجمهر وليس مؤتمر ، وأن فيه إخلال بالأمن وتحد له ، فأمر مدير الأمن بتفريق الجماهير ، ونزلت قوات الأمن المركزي إلى الشارع وبدأت في استخدام الهراوات ، وقابلتها الجماهير بالهتاف والتكبير ، وتصاعد الموقف واستخدمت قوات الأمن الرصاص المطاطي وقنابل الغاز ، وتم إصابة عدد من الشباب ..
حتى أن شقيقا لإحدى صديقاتي فقد ساقه ، فقد تم بترها بسبب خرطوشة من الرصاص المطاطي قد استقرت فيها !!
ثم أعقب ذلك حملة اعتقالات واسعة، ولم يبق بيت في المدينة إلا وأصابه غم وهم ..
وباتت أجواء صيفنا الحار خريفا باهتا حزينا، لا أثر فيها لبهجة، وتأجلت كثير من حفلات الزواج التي حددت مواعيدها سابقا، وبأمر من مسؤولي الأمن بالمحافظة أغلقت المساجد التي كنا نلتقي فيها، في وجه الدروس والمحاضرات، لم تعد تفتح أبوابها إلا في الأوقات المحددة للصلاة فقط ..
تضافر الظروف الخارجية والداخلية كان يخنقني.. وشعرت انني في حصار اجتماعي يتحالف فيه ضدي عصام بطول قطيعته لي مع شدة حاجتي إليه، وظروف المدينة نفسها، وكذا قلبي الذي يكاد يفلت من بين ضلوعي ..
وأخيرا انقضى اليومان، ومنذ صباح الاثنين، وأنا أحاول أن أتشاغل.. أشغل نفسي بأي شيء وكل شيء ، حتى يحين موعد اللقاء ..
وأخيرا جاء.. حضر عصام إلى غرفتي وتواضع ثم تنازل فقبلني على جبيني قبلة حانية جميلة .. ثم قال وهو ينظر في خجل إلى الأرض :
- هيا يا عروسة حتى ترين عريسك و
"حتى لا تموت الروح"
رواية تدور أحداثها بين مدينتي دمنهور, ومكة المكرمة
الحلقة الثانية
2- منال تروي
ذكرت لي فيما بعد في ليالي سمرنا وما أكثرها وأحلاها من ليال، حين كان يؤنس وحدتنا صوتها
كانت المناسبة زواج إحدى صديقاتي، وكانت من المقربات لي، وقد دخلت بيتنا فعرفتها أمي ، وكان زوجها صديقا مقربا من أخي عصام، ولذا اتفقت مع أمي أن نذهب سويا لزيارتها بمناسبة مرور أسبوع على الزواج، وتقديم المجاملة الواجبة في مثل هذه المناسبات ..
واصطحبت أمي وذهبنا ، وكنا خاليي البال تماما من أي شيء ، لم تعنِ لنا الزيارة إلا المناسبة التي ذهبنا من أجلها ..
وبعد فترة من الزمن ، وكنت أنا وأمي نجلس مع العروس في غرفة نومها ، مع عدد من صديقاتها الأخريات ، وبعد فترة دق باب الغرفة فخرجت العروس تتحدث مع زوجها ، ثم عادت فطلبت من أمي أن تخرج إلى زوجها لأنه يريدها في أمر ما ..
وساد شيء من الارتباك والحيرة حتى لملمت أمي نفسها وخرجت إليه ، وساد الاعتقاد أن الزوج ربما أراد أن يسأل عن شيء أو أن يوصي عروسه بشيء على لسان والدتي ، فقد كانت بطبيعة الحال أكبر الزائرات سنا وأكثرهن خبرة ومعرفة ..
وبعد قليل عادت أمي لكنها كانت متجهمة تماما ، ويبدو عليها التوتر والقلق ، وظلت تنظر إلي نظرات حائرة تارة ومتوعدة تارة أخرى ، وشعرت بعد فترة أن توترها بدأ يزداد من حركة أصابعها التي كانت تدق بها ركبتيها بعصبية شديدة ..
وتوجست خيفة وجالت في خاطري بعض الظنون ، فالزوج هو صديق عصام ، وربما أخبرها عن عصام شيئا لم تحبه ، أو أن عصام أوصاه أن يبلغها بقرار ما ، لم يستطع مواجهتها به فطلب من صديقه تبليغها إياه .. وانحصر تفكيري في عصام ، والحقيقة أنني كنت خائفة ، وكانت حال أمي تستدعي العجلة في إنهاء الزيارة والانصراف لأعرف منها ما يعتمل في نفسها ، غير أن خوفي جعلني أطيل الزيارة خوفا من لحظة الإنفراد بها وهي على هذا النحو من التوتر الشديد .. لكنها أشارت لي ، ولم يكن هناك بد من الانصراف ، وبمجرد نزولنا إلى الشارع سألتني في حدة :
هل ذكر لك عصام شيئا عن خاطب تقدم لك ؟
نفيت نفيا قاطعا وأنا في غاية التعجب ، وحاولت أن أستزيدها فلم تفصح عن شيء ، ولكنها ظلت على توترها وعصبيتها حتى وصلنا المنزل ، وعندما رأت والدي ابتدرته قائلة :
أرأيت ما يفعل ابنك عصام !
سألها أبي في شيء من خوف مفاجئ : وماذا فعل ؟ خيرا إن شاء الله ؟
قالت أمي في انفعال : لقد تقدم إلى ابنتك منال خاطب هو صديق له ، ولقد رفضه الأستاذ حتى دون الرجوع إلينا ، ولا إليها .. فهي أقسمت لي أنها لا تعلم شيئا عن هذا الأمر ..
نظر إلي أبي مستفهما ، فأومأت برأسي مؤمنة على كلام أمي ..
عند هذا الحد من الحديث كان لزاما علي أن أنصرف من باب الحياء أو الأدب ، حتى ولو كان الموضوع الذي سيناقش هو من أخص خصوصيات حياتي ، لكن كان علي أن أنصرف ، ولم أتلكأ لقد كنت عند باب غرفتي عندما جاءني صوت أبي :
ادخلي أنت غرفتك الآن يا منال ..
لعله لم يسمع إجابتي التي غمغمت بها وأنا أغلق باب غرفتي من الداخل .. لكن صوت النقاش الحاد كان مرتفعا وكان يأتيني واضحا من خلف الباب حتى دونما أي تعمد مني للإصغاء ، ولم يكن في الحديث ما يغري بالإنصات خاصة وقد رفض عصام العريس وانقضى الأمر .. حاولت أن أمسك مصحفي وأن أنشغل عن النقاش بقراءة القرآن .. لكنني أخفقت .. ظل المصحف في يدي ، لكن عقلي كان مشغولا بما يسمع من نقاش حاد ..
قالت أمي ملخصة الموقف كله :
- سألني زوج ( فلانة ) هل ابنتكم مخطوبة ، أو في انتظار خاطب معين .. قلت له أبدا .. فقال لي : تقدم لها خاطب عن طريقي وهو يسألني عن شروطكم فيمن يتقدم إليكم .. قلت له شروط عادية جدا .. فقط أن يكون شابا طيبا ومتدينا وعلى خلق ومن أسرة طيبة .. قال لي لماذا إذن رفضتموه وهو به كل هذه الصفات وأيضا ظروفه المادية أفضل حالا مني ؟ وها أنا ذا على يدك يا حاجة قد تزوجت بفضل الله .. أظهرت تعجبي .. فقال لي : إن عصام أخبرني برفضكم لهذا الخاطب ، رغم أنه صديقه ويعرفه جيدا ..
انفعل أبي وهو يستدعي عصام بحدة : ووجه له سؤالا :
هل تقدم لك أحد أصدقائك لخطبة أختك ؟
قال عصام بهدوء شديد : ليس الأمر على هذا الوضع .. كل ما هنالك أن ( فلانا ) سألني هل تصلح ظروف صديقنا هذا للتقدم لأختك ، فقلت له إن ظروفه لا تصلح .. كان مجرد سؤال وأنا أجبته حسب رؤيتي وتقديري للموقف ..
احتد أبي وهو يقول : وهل أنا مت .. حتى تتصرف في شؤون أخواتك على هذا النحو دون مجرد الرجوع لي ولرأيي ؟!
قال عصام بخجل : ليس الأمر كذلك .. كل ما في الأمر أن ظروفه لا تناسب على الإطلاق ، وهو لا يعتبر تقدم فعلا للخطبة .. وأنا لم أرجع إليكم لأنني أعلم رأيكم مسبقا ..
احتد أبي قائلا : أظن أن هذا ليس من شأنك وحدك يا عصام .. على أقل تقدير تعطيني فكرة عن هذا الأمر .. هل هو شاب سيء ؟
على العكس تماما يا بابا هو شاب ممتاز جدا ، دينا وخلقا ومن أسرة محترمة .. لكن ظروفه المادية لا تسمح بمجرد التفكير بالارتباط .. هذا كل ما في الأمر ..
هل تظنه رأى أختك ؟
قال عصام بيقين : بالتأكيد يا بابا رآها ، فكيف يخطبها إن لم يرها ! .. ولكن من هذه الناحية اطمئن فلعله رآها مصادفة أو في الطريق إلى البيت ، فهو من النوع الخلوق الذي لا ينظر إلى الفتيات أو يشاغلهن ..
قال أبي بحزم : ما هي ظروفه بوضوح ؟
قال عصام ببرود : أبدا لا يوجد شيء .. .. مجرد أنه شاب جامعي وصديق لي ويعمل في محل للبقالة ..
سأل أبي مضيقا الخناق على عصام : هل عنده شقة ؟
أجاب عصام في اقتضاب : شقة متواضعة جدا في بيت قديم كان ملكا لجده ، وهي في حارة شعبية ..
زاد انفعال أبي وهو يقول : أي أن عنده شقة ..
أصر عصام على موقفه قائلا : شقة متواضعة جدا ، أنا لا أعتبرها شقة ..
هل رأيتها ؟
نعم .. ذهبنا للمذاكرة فيها مرة أو مرتين من قبل ..
هل سيساعده أحد من أهله في أمر الزواج ؟
تلعثم عصام وهو يقول: إن أمه كانت تعمل بالخارج ، وأظن أنه قال انها وهبت له مبلغا بسيطا من المال ، سوف يعينه على تجهيز شقته ، ويحاول المشاركة في مشروع للبقالة التي يعمل فيها من أجل هذا الهدف ..
قال أبي محتدا : إذن هو شاب جاد وليس لعوبا يا عصام ..
قال عصام : أنا لم أقل أنه لعوب ، بالعكس هو جاد جدا ، لكنه غير مناسب .. فهناك عشرات الشباب من زملائنا مثله خلقا ومعدنا ، وأفضل منه بكثير في الإمكانات المادية ..
لكن أحدا من هؤلاء لم يتقدم لخطبة أختك ، وصديقك هذا هو الذي تقدم ، والواجب يا بني في هذه الحالة ، أن نجلس معه ونناقش الأمر ، وأن نستطلع رأي صاحبة الشأن ..
كانت أمي تجلس صامتة حتى هذا الجزء من الحوار ، ولكنها تكلمت أخيرا :
صحيح يا أبا عصام .. أن عصام أخطأ بعدم استشارتك ، ولكن هو أدرى بظروف صديقه ، وطالما لا يراه مناسبا ، فأعتقد …
قاطعها أبي قائلا بحسم من لا يقبل المناقشة في الأمر :
أظن أن من حقي أن أراه وأن أجلس معه .. هو لن يجبرني على الموافقة على الزواج من ابنتي .. ولكن من واجبي كأب أن أكوّن فكرة عن هذا الشاب .. ولا تنسِي أن رأي عصام مهما كان صوابا ، فإنه لابد يفتقر إلى خبرة الأب ..
صمت أبي لحظة ثم استدعاني رافعا صوته بالنداء ..
كنت على أتم الاستعداد للخوض في هذا الحوار الذي لم يكن يسعدني كثيرا ، لكنه استفزني أكثر من أي شيء ..
فمن أعطى الحق لأخي عصام أن يتصرف في شؤوني بهذه البساطة ؟
وكيف له أن يقرر من الذي يناسبني ومن الذي لا يناسبني ؟
ثم على أي أساس وأي مواصفات وشروط تلك التي يفضل بها رجلا على آخر ؟
أعلى أساس المال وحده يفعل ذلك ؟
ومن قال له إنني أقيم للمال أي وزن أو اعتبار من حيث المبدأ ؟
كانت عشرات الأسئلة تغلي في نفسي ، ومع ذلك تثاقلت عندما استدعاني أبي ، وأخذت أمشي إليه على مهل مبدية شيئا من الحياء مشوبا بعدم الرضا عن كل ما حدث .. اتخذت مكاني في المجلس .. فابتدرني أبي سائلا :
هل سمعت ما قاله أخوك عصام ؟
قلت على استحياء : سمعت جزءا من الحديث ..
وما رأيك أنت ؟
أنا أترك الأمر لك يا بابا
هل توافقين على شاب بمثل هذه الظروف التي ذكرها عصام ؟
أجبت مستنكرة : أية ظروف يا بابا .. كل ما سمعت منه أنه شاب مستقيم وذو خلق ..
قال عصام محتدا : لكنه لا يملك أي مقومات مادية للزواج .. والزواج كما تعلمين ، ليس أخلاقا حميدة فقط ، و.. ولكن له متطلبات للحياة والمعيشة ..
أعطاني تدخل عصام فرصة للتنفيس عما يجول بخاطري فقلت بحدة : إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ، والمال في النهاية هو ملك لله يؤتيه من يشاء .. فليس مما يعيب الرجل أن يكون فقيرا في ماله ، وإنما ما يعيبه أن يكون فقيرا في دينه أو أخلاقه ..
نظر أبي إلى كل منا على حده .. ثم قال بحسم :
أنا سأقابل هذا الشاب لأتعرف إليه بنفسي ، وعليك يا منال أن تنسي هذا الموضوع حتى أخبرك عن رأيي فيه .. وأنت يا عصام عليك أن تحدد له موعدا ليقابلني فيه ..
تلعثم عصام وهو يقول ساخطا : ولكني أبلغته برفضنا لهذا الأمر .. فكيف أذهب إليه …
قال أبي محتدا : هذه مشكلتك أنت .. أنت الذي أوقعت نفسك فيها ، وعليك أن تخرج نفسك بطريقتك .. لكن عليك أن تحدد له موعدا ..
بهذا الحزم أنهي أبي النقاش .. وأدركت من نظرات عصام الحانقة ، أننا على مشارف قطيعة قد تطول ، ولم يكن هذا أوانها .. أنا التي كنت غاضبة منه .. لكني تحاملت على نفسي لأكلمه .. لعلي أظفر منه ببعض التفاصيل عن هذا الخاطب .. لم يزد أن ذكر لي اسمه من بين أسنانه .. وأضاف أنه زميله في الكلية .. ثم قال حانقا : كنت أنتظر أن تؤيدي وجهة نظري .. فكيف لشاب بهذه الإمكانات أن يتقدم لخطبة بنات الناس ؟
كدت أنفجر فيه ، لكنني تمالكت نفسي ، وقلت له : وأنت يا عصام ألست في ظروف أسوأ منه ، فمتى تخطب إذن ؟
قال بحزم : ولذلك أنا لا أفكر في هذا الأمر الآن .. ليس قبل أن أسافر إلى الخارج ، وأكوّن نفسي ، وأكون جديرا بأن أتقد
" حتى لا تموت الروح"1 بشرى جيل قادم وقيم تعود
رواية أحداثها تدور بين مدينتي دمنهور ومكة المكرمة

بقلم/ علاء سعد حسن
إهداء
إلى روح منال
التي سألتني يوما أن أهدي لها أحد أعمالي أو أخصصه لها ، فأجبتها أنني قد أهديتها روحي وعمري فكلي ملك لها ..
إلى التي أهدتني هي حياتها وشبابها وعمرها كله ، وجعلت من نفسها فداء لي
التي أعطتني كل شيء ولم أعطها سوى كلمات رقيقة إما على الورق أو على مسامعها .. لقد كانت كلها كلمات صادقة ، لكني كذبت في إهداء عمري لها .. حين صدقت هي وأهدتني عمرها كله ..
إلى زوجتي وحبيبة قلبي "منال نور الدين" رحمها الله تعالى رحمة واسعة ، وجمعني بها في مستقر رحمته ..
الحلقة الأولى
1 - الروح تعشق قبل القلب دائما .. والأذن تعشق قبل العين أحيانا
أعترف بأنني قد أحببت الحب، فلو سألتني عن أحب شيء لنفسي في هذه الحياة ، لأجبتك دون تردد : الحب ..
الحب هو أحب شيء لدي في هذه الحياة ..
فالحب عندي قيمة عليا تنبثق منها كافة القيم الإنسانية النبيلة، والحب الذي أعرفه وأحبه هو حب من صنع الله خالق الأكوان ، وهو العاطفة أو القيمة الوحيدة التي أضافها الله تعالى إلى نفسه سبحانه، فجعله أي الحب من صنع الله، هو سبحانه الذي يصنعه ، وهو تعالى الذي ينميه ، وهو – تقدست أسماؤه - الذي يؤلف بين القلوب عليه ، فيقول تعالى : (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ، وجعل بينكم مودة ورحمة) الروم21.. ويقول لنبيه موسى عليه السلام (وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني).طه39 ، ويقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ، ولكن الله ألف بينهم) الأنفال63.. ، ويقول للمؤمنين (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة، والله قدير، والله غفور رحيم) الممتحنة 7 ..
فالحب عاطفة ربانية تنبع من الله تعالى وتنتهي إليه: (والذين آمنوا أشد حبا لله)البقرة ، (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)آل عمران31 ، (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه )
ولكن انتظر.. فما الذي جعلني أسترسل في هذا الحديث الطويل عن الحب ؟؟؟
آه .. لعلني أردت أن أعرفك على قيمة الحب في حياتي، ولكن عذرا يا صديقي، فأنا لا أنوي الكلام عن نفسي في السطور المقبلة، وإنما سأحدثك عنها هي ..
فهي التي تستحق الحديث.. كل الحديث، والوصف.. كل الوصف، فلم تكن بنتا كأي بنت، ولا فتاة كأي فتاة، ولا امرأة كأي امرأة ..
ماذا يمكنني أن أقول عنها ؟
ربما بحثت عن وصف، أو أوصاف، مرات عدة، ولكني لم أجد ما أستطيع أن ألخص وصفها به، فلأترك إليك يا صديقي تلك المهمة ..
أحدثك عنها، ثم أترك لك مهمة وصفها بنفسك بما تجده في نفسك من معانٍ وأفكار ..
لكنني مضطر للحديث عنها من خلالي أنا بالطبع، فأنا الذي عايشتها، فهي وإن تكُ قصتها هي في الحقيقة، فإنها ستبقى أبدا قصتنا معا ..
ربما انفردت هي بأجزاء من فصولها، وربما انفردت أنا بأجزاء أخرى من فصول الرواية، لكننا في الأعم الأغلب سنكون معا ..
كنت في حاجة ماسة إلى الحب، الذي جبلت على تقديره واحترامه، واعتباره مركزا يدور حوله الكون، وبدأت أبحث عن الحب، كان ذلك حتى قبل سن البلوغ ..
لم أكن أعتقد أن في مظهري العام ما يمكن أن يغري بالحب، لم تكن لي أدنى ثقة في نفسي في هذا الجانب على وجه الخصوص، ولم أدرِ حتى يومنا هذا، ماذا في مظهري أو شكلي الخارجي يمكن أن يجذب الجنس الآخر إليّ ؟
.. قالت لي فيما بعد أن عينيي واسعتان، وأن نظراتي الحيية المتسللة هي سر جاذبيتي ..
قد يكون !! لم يتسن لي أن أسمع هذا الرأي من غيرها، ولم أسمع في حياتي امرأة سواها ..
لو صدقت شهادتها، لكان ذلك هو سر ما قابلني من متاعب صغيرة، قبل أن أعرف الحب ..
حسبي أنني رغم حاجتي الماسة إلى الحب، ورغم إلحاح فكرته على خاطري، لم أبدأ أبدا بمحاولة ..
لعلي استجبت تحت ضغط إلحاح العيون مرة، أو مرتين ..
ولعلي عرفت وتجاهلت ثم تشاغلت، ثم لم أعد أقوى على المقاومة، رغم أن التي أحبتني ..
عفوا ، الأدق أن أقول: إن التي ظننتها أحبتني، لم تكن هي الروح التي أبحث عنها، ومع ذلك فقدت مقاومتي أو كدت أفقدها تحت إلحاح وملاحقة، حتى تمكنت أخيرا من الاستعلاء، ولم يكن ذلك الاستعلاء يا صديقي من زهد أو رهبنة، أو من ازدراء للمرأة أو تسامٍ عنها، لكن الفتاة لم تكن الروح التي بدأت تسكن وجداني وتتشكل في خيالي ..
من هي صاحبة هذه الروح؟
لا أعرف ..
ما اسمها؟
أين تكون؟
لم أكن أعرف عنها شيئا.. غير أنني كنت متأكدا من أن طيفها يملأ قلبي، ويفسد عليّ أي محاولة بعيدا عنها ..
كنت قد سمعت، عن أخت لصديق.. وآه من أخوات الأصدقاء، وأرجو يا صاحبي ألا تظن لحظة واحدة أنني من هذا النوع الذي يتسلل إلى القلوب عبر الأصدقاء، فلكل أصدقائي شقيقات على كل شكل ولون، لكن صديقي الذي أحدثك عنه ، كان له شقيقة.. سمعت مرة همهمة حرجة على استحياء وتكتم ، تصدر عن بعض أصدقائنا المشتركين :
أن تلك الشقيقة حالة فريدة من الجدية والالتزام الزائد عن الحد، والذي ربما يناسب رجلا، لكن لا يصح أن يقترن أبدا بفتاة.. حيث الرقة والعاطفة و … ..
ربما كانت هذه الهمهمات هي أول دقة عبرت إلى قلبي الظمآن إلى الري ..
كانت همهمة مهمة ورحلت إلى حال سبيلها، وكنت في مرحلة لا تسمح لي مجرد التفكير بالارتباط، فأنا طالب وما أدراك ما الطالب ..
ثم إن بيوت الأصدقاء بالنسبة لي مقدسة.. حرمتها من حرمة بيتي إن لم تكن أشد ..
ذات مرة روى صديقنا (محمد عبد السلام) : أنه في ظلمة ليلة من ليالي الشتاء السوداء القاتمة، كان صاعدا الدرج إلى عصام، وبجواره انسل مخلوق، أيقن لا محالة أنه من عالم الجن أو أي عالم آخر، لأن المخلوق الذي انسل من جواره صاعدا الدرج بسرعة فائقة، لم يكن يبدو منه شيئا في الظلام، بل لعله كان متدثرا بالسواد ، أو هو على ما يبدو مخلوق من هذه المخلوقات السوداء التي لا لون لها ..
كاد صديقنا أن يقطع النفس وأشياء أخر
، ولم يدر كيف صعد الدرج بعد ذلك إلى شقة صديقه، وعندما دلف إلى الصالون، ولاحظ عصام شحوبه الذي كاد يؤدي بحياته، سأل عن حاله، فروى له كيف أنه رأى عفريتا من الجن، رآه رأي العين يصعد الدرج كالريح المرسلة، فضحك عصام حتى كاد يستلقي على ظهره من الضحك ..
ثم زاد في رعبه قائلا له :
- فعلا إن بيتنا مسكون بالعفاريت .. حيث احترقت فيه امرأة حتى الموت من قبل، وإن عفريتها ما يلبس يظهر حينا بعد آخر.. لكنه على كل حال عفريت لا يؤذي .. هو فقط يزور المكان الذي احترقت فيه المرأة ويمضي إلى حال سبيله، كما رأيته أنت الليلة ولم يحاول أن يؤذيك ..
وصدق (محمد عبد السلام) القصة فأخذ يسردها علينا، بعدما أقسم بأغلظ الأيمان ألا يخطو إلى بيت عصام خطوة واحدة بعد الآن، فهو لم يتعود بعد على لقاء العفاريت ..
وبعد التقصي عن حقيقة العفريت، عرفت أن هذا العفريت هو شقيقة عصام بنقابها وجديتها وسرعتها على الدرج، ولعلها هي نفسها كانت خائفة وهي تعدو إلى شقتها من ذاك الصاعد في حلكة الظلام، ولم يكن درج البيت مضاء بمصباح واحد وكان البيت نفسه قديما مظلما لا (منور) فيه يطل على السلم، ولا نافذة، ولا منفذ من نور.. حتى كان يشق علينا نحن الشباب صعوده ليلا إلا بشق الأنفس ..
كانت تلك هي الدقة الثانية التي حفرت نقطة أخرى من نقاط حرف (الحاء) على شغاف القلب ..
ثم مضت بنا الأيام.. والطيف الغائم يتشكل على نحو مبهم في وجداني.. حتى جاء عام دراسي، كثرت فيه مشاغباتي ..
فلتغفر لي يا صاحبي إنما هي فورة الشباب وحماسة المبتدئين، وإقدام الطامحين ..
شاغبت وشاغب أصحابي، في أمور وإن كانت طلابية، وإن كنت أعتقد بعد هذه السنوات الطوال أنها لم تكن خاطئة على وجه الإطلاق، وإنما كانت جرأة تحتاج إلى ترشيد ..
دعني أتذكر المناسبة، أو قل المناسبات التي كانت تفتح شهيتنا للمشاغبة..كنا أيامها في مطلع التسعينات، في العام الأول من ذاك العقد الممتلئ بالأحداث، ولقد كان الحدث الكبير الذي يحيط بنا، هو إقدام صدام حسين على احتلال دولة الكويت الشقيقة ..
لا يخفى عليك أننا يومها لم نكن مع صدام ولا مع غزو العراق للكويت، بل كانت قلوبنا مع أهل الكويت وشعبه وأبنائه.. غير أننا كنا بنفس القدر الذي نرفض فيه الاحتلال.. كنا نرفض أيضا السماح لقوات التحالف بقيادة الأمريكان النزول بالخليج العربي وتولي م
" حتى لا تموت الروح" بشرى جيل قادم وقيم تعود
رواية أحداثها تدور بين مدينتي دمنهور ومكة المكرمة
![]()

"حتى لا تموت الروح"قصة تسلبك، منذ البداية،كل انشغال بالخارج و تجذبك بقوة إلى أعماق بعيدة فإذا انتهيت من القراءة وعدت للسطح لم يكن في مقدورك الحديث عن كل ما رأيته, ولكن الغريب حقا أنه حتى بعد تعرضك لتلك الصعقة الشديدة القوة من الفاجعة تجد نفسك مطمئنا على مصائر كل الأشخاص الذين عايشتهم في رحلة غوصك.
"حتى لا تموت الروح"هي قصة امرأة مصرية مسلمة من مدينة دمنهور في شمال مصر، "منال نور الدين" فتاة جامعية ملتزمة دينيا وعاملة في حقل الدعوة يتزوجها عماد سعيد، شاب مصري مسلم جامعي مثقف وعامل في حقل الدعوة هو أيضا ،يعيشان حياة ملؤها الحب و التفاهم و الرضا.
ثم تنقلب الأوضاع حينما تصاب منال بمرض خطير.
"حتى لا تموت الروح"هي قصة حب، إذن، و لكنها قصة حب غير عادية إذ هي تأتي على أفكارنا المسبقة المرتبة المستقرة في أذهاننا عن قصص الحب و تدعونا بقوة لإعادة ترتيب هذه الأفكار… قصة حب تشعل نار الثورة و تعلن الحرب على نظام اجتماعي قائم.
منال نور الدين هي الثائرة التي تأخذ على عاتقها مسؤولية الدعوة للتغيير.
منال الدافئة الحنونة في قوة وثبات تنبعث عبر سطور الكاتب "علاء سعد" و تعلن حربا ضارية على الصور الفاتنة المصنعة المفبركة المطلة من الفضائيات…
صور تقفز على أحكام الغسل ليس جهلا و إنما خوفا و جزعا من ذوبان أدوات الفتنة و السحر المقتناة في قارورات بلاستيك تحت وطأة حثيات الماء الطهور…صور تخترع كل يوم أنواعا جديدة من الحساسية و تتبناها حساسية من الماء البارد و من حبوب الطلع ومن نور الشمس و بشرتها ترزح تحت أطنان من الأصباغ و المثبتات كمية كافية لإحداث كارثة في حجم تشيرنوبيل…
حرب منال نور الدين كانت تشنها ضد كل هؤلاء المدعيات بأن الحب هو صنعتهن المحتكرة،
لصالح كل العفيفات الطاهرات الطيبات القلب جميلات الوفاء.
لصالح فتيات المساجد و ربيبات" الحلقة"
و منال كانت كما كان واجبا أن تكون .
مقاتلة شرسة سلاحها الحب .
" أن الطيف الذي يسكنني هو من النوع المقاتل (طيف عفاريتي) الذي يقاتل من أجل قضيته ، وهو ولاشك سيكسب معركته…"
"حدثت أزمة ، وتفاقمت الأزمة ، لأن الخلاف هذه المرة لم يكن خلافا معتادا بين أهل خطيبين على أثاث أو مهر أو نفقة ، وإنما كان خلافا بين مذهبين في الحياة .. كان الأمر جديدا على الواقع الاجتماعي ، وزاده تعقيدا علاقة القرابة والنسب التي تربط الجميع ، وأصبح في فض هذه الخطبة ، نوع من زعزعة الاستقرار في أسر أخرى داخل العائلة " "….والحقيقة يا صديقي أن عائلتنا حملت ظلما بينا لفتيات المساجد من جراء هذه العلاقة لكبيرة .."
"… منذ هذا التاريخ وأنا أحمل على عاتقي إعادة تقديم نموذج المسلم الملتزم لمحيطنا الاجتماعي من جديد .. على أن يكون نموذجا ناجحا هذه المرة .. وكانت شريكة حياتي المنتظرة هي فرس الرهان لتقديم هذا النموذج…"و فرس رهان رابح يكسب كل السباقات.
"وقد كانت والحق يقال أهل للمراهنة عليها بالروح و النفس…"
على عتبات النص.
العنوان هو أول العتبات التي من على مشارفها نستشف محتوى النص و لو إيحاء.
منذ الوهلة الأولى يتبادر للذهن أن الروح مهددة بالزوال.
و منذ الوهلة الأولى نحس أننا في صدد المغامرة في دوائر خطرة ـ مشاعريا على الأقل ـ و ندخل القصة بنفسية متوجسة و نسبة أدرينالين عالية.
مغامرة صوب برمودا
إن الروح التي كانت في الأصل واحدة ثم انقسمت و تاهت قليلا ثم عادت فالتأمت..لا بد لجزأيها من التلامس الذي يظل جميلا و لطيفا وراقيا و ساميا منه من كل فجاجة و فحش.
و التلامس هنا حاجة الروح للاطمئنان إلى سكنها و بحث عن اللقاء بروحها التوأم حقيقة في تلك الغفوات الجميلة التي قد تدوم لحظة في حساباتنا و لكنها في عالم الروح كافية للقاء والسياحة في عوالم تجهلها مداركنا القاصرة.
هو، إذن، تلامس ترضى عنه الأرض و تباركه السماء.
هذا هو الجنس الذي وظفه علاء سعد في جرأة حانية رحيمة بقارئ متزمت ما.
ديننا سياسة وسياستنا دين لذلك لن أعرف كثيرا كيف أفصل بين الاثنين…
رسالة إلى كل من سكت
حتى متى هذا السكوت؟!


مفكرة الإسلام: عندما يسمع العالم بأذنيه ويرى بعينيه أنين الأطفال وصرخات الأمهات ودمعات الشيوخ ويشهد قطرات دماء الشباب, فلا دواء, ولا طعام, ولا رواتب, ولا كهرباء.. ثم يصمت الجميع.. ويكتفون بمجرد مشاهدة الجريح يلفظ أنفاسه.. لا يمكن أن يسمى ذلك إلا مشاركة في الجريمة..
ويحق لأبناء غزة أن يتعجبوا إذ يرون العالم الذي ينادي بالديمقراطية يتخلى عنها فجأة وبلا تردد عندما تأ
بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي المسلم/ أختي المسلمة
دقاتُ قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق و ثوان
فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها فالموت للإنسان ذكر ثان
ها هي صحائفنا لعام 1428
على وشك أن تطوى
ترى أنكون من السعداء بها أم من ….؟؟
قال الحسن رحمه الله
"يا ابن آدم إنما أنت.. أيام إذا ذهب يومك ذهب بعضك"
ترى هل تزودنا ؟
هل من وقفة محاسبة آخر العام؟
هل كان لدينا خير الزاد الذي أوصانا به الحق جل و علا؟
(وتزودُوا, فإنّ خير الزاد التقْوى)
إخواني وأخواتي في الله
لنجعل عهدنا مع الحياة في بداية العام الهجري المبارك
أن نحاسِب أنفسنا قبل أن نُحَاسَب
و أن نزِن أعمالنا قبل أ










